هذا المقال هو تفاعل واعي مع شريط فيديو متداول لأستاذة في الجارة الجزائر، قُدِّم داخل فضاء يُفترض فيه أن يكون تربويا خالصا، موجَّهًا للأطفال، ومحكوما بقيم المعرفة وبناء الإنسان.
وإن أول ما يفرضه هذا التوضيح هو التعبير عن امتعاض عميق، لا لأن الشريط أساء إلى طرف بعينه، بل لأنه مسّ جوهر المدرسة، وجرّدها من معناها النبيل، وحمّلها ما لا تحتمل من صراعات لا تليق بعقل طفل، ولا بسبورة.
فالمدرسة ليست منبر تعبئة سياسية، ولا ساحة تصفية حسابات، ولا مصنعًا لإعادة إنتاج الكراهية.
هي، في كل التجارب الجادة، فضاء لصناعة العقل، وبناء الإنسان، وتحرير المستقبل من عقد الماضي.
ما يثير القلق حقًا في هذا الشريط ليس مجرد خطاب عابر، بل تحويل الدرس إلى أداة عداء، والطفل إلى وعاء غضب.
وحين تُزرع الضغينة في سنّ التعلّم، فنحن لا نؤسس لمواطنة، بل نراكم أسباب فشلٍ مؤجَّل.
وهنا يفرض النموذج الألماني نفسه بقوة المقارنة.
ألمانيا، بعد حربين مدمرتين، لم تُنهِض أبناءها على كراهية الجيران، ولم تحوّل مدارسها إلى منصات انتقام رمزي، بل اختارت الطريق الأصعب والأشرف:
إصلاح التعليم،و ترسيخ قيم العمل، ونقد الذات، وبناء الإنسان المنتج.
لم تقل لأطفالها: “اكرهوا”، بل قالت لهم: “تعلّموا”.
وبالتبع ، هي لم تزرع فيهم عقدة الجار، ولا كراهية ” الآخر “،بل غرست فيهم ثقافة الانضباط والمسؤولية.
فكانت النتيجة دولة قوية، محترمة، يُحسب لها الحساب بالعلم والصناعة، لا بالضجيج والشعارات.
ولو أن تلك الأستاذة المزهوة بدرسها في ” كراهية الجار” ، اختارت بدل خطاب العداء، حث تلاميذتها على إتقان الحساب، وفهم الفيزياء، واحترام الوقت، وحب البحث، لكان ذلك أدعى للطمأنينة؛ لأن الجار الذي يبني إنسانه هو جار يُنافس بشرف، يحاور بذكاء ، لا يُخاصم بلا أفق…
أما شحن الأطفال بالكراهية، فلا يصنع إلا أجيالًا مأزومة، ترى في العداء هوية، وفي الصراخ إنجازًا، وفي الآخر سبب كل عجز.
وهنا يحضر مفهوم حسن الجوار بمعناه العميق.
حسن الجوار لا يعني إنكار الخلاف، لكنه يعني تحييد المدرسة عنه.
يعني أن نختلف دون أن نسمّم عقول أطفالنا، دون ان نحشرهم في معارك ” الضغينة”
و ” الاستهزاء”…
وأن نؤمن بأن السبورة ليست خندقًا، وأن الطفل ليس جنديًا في معركة لم يخترها.
إن الامتعاض مما وقع ليس موقفًا سياسيًا، بل موقف تربوي وأخلاقي و إنساني …
لأن الإساءة إلى المدرسة، في أي بلد، هي إساءة إلى المستقبل المشترك، قبل أن تكون إساءة إلى جار أو خصم.
ومن يُفرّغ التعليم من معناه، لن يملأ الغد بشيء ذي قيمة.
وبكلمة ، الأوطان لا تُبنى بالكراهية، بل بالإنسان.
نعيمة بويغرومني
رابط المشاركة :
شاهد أيضا
