سيدي اعلي سالم هبد
تُعد قضية تسريب الامتحانات الإشهادية في المغرب، وآخرها ما رُصد في سياق “مدارس الريادة”، أكثر من مجرد “حادث تقني” أو اختراق إلكتروني؛ إنها أزمة سياسية بامتياز تعكس عمق الاختلالات في بنية الدولة الاجتماعية، وتكشف عن هشاشة الرهانات الرسمية حول إصلاح منظومة التربية والتكوين.
يمكن تفكيك هذه الظاهرة من زوايا سياسية وتدبيرية دقيقة على النحو التالي:
1. ضرب مبدأ “تكافؤ الفرص” والعدالة الاجتماعية
سياسياً، العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة في قطاع التعليم يقوم على مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص. عندما يتم تسريب امتحان “وطني” أو “موحد”، فإن الدولة تفشل في حماية هذا المبدأ.
الطبقية التعليمية: التسريب غالباً ما يستفيد منه من يملكون “الوسائل” للوصول للمعلومة، مما يعمق الفوارق بين أبناء الشعب الواحد.
فقدان الثقة: تكرار هذه الحوادث يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات التعليمية، ويحول الشهادة الدراسية من “مقياس للكفاءة” إلى “ورقة مشكوك في مصداقيتها”.
2. الكلفة السياسية والاقتصادية للهدر
إن قرار تأجيل أو إلغاء امتحان على مستوى وطني، كما ورد في السياقات الأخيرة، يترتب عنه هدر مالي ضخم:
تبديد المال العام: الملايين التي تُصرف على الصفقات العمومية المتعلقة بطباعة الأوراق، اللوجستيك، والتعويضات عن الحراسة والتصحيح، تذهب سُدى في لحظة واحدة.
غياب المحاسبة: سياسياً، نادراً ما نشهد استقالات أو إعفاءات لمديرين مركزيين أو مسؤولين كبار إثر هذه “الفضائح”، مما يكرس ثقافة “الإفلات من العقاب” في التدبير الإداري.
3. مشروع “مدارس الريادة” والشرعية التقنوقراطية
تأتي التسريبات الأخيرة في سياق تنزيل مشروع “مدارس الريادة”، وهو مشروع يعتمد بشكل كبير على “المؤشرات الرقمية” لإثبات نجاحه أمام المؤسسات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد).
صناعة النجاح الوهمي: هناك توجس سياسي من أن الرغبة في إنجاح المشروع “بأي ثمن” قد تدفع نحو تبسيط الامتحانات أو التغاضي عن ثغراتها لإظهار نتائج رقمية مرتفعة تُرضي الممولين والمركز.
التنزيل الأحادي: غياب المقاربة التشاركية مع الأطر التربوية يحول المدرس إلى “منفذ آلي”، مما يضعف شعوره بالانتماء للمشروع ويقلل من حرصه على حماية مخرجاته.
4. التداعيات السياسية للرقمنة والضبط
رغم الاستثمار في منظومات مثل “مسار” وبروتوكولات التأمين الرقمي، إلا أن الاختراقات مستمرة. هذا يشير إلى أن المشكلة ليست في “التقنية” بل في:
العنصر البشري: التهميش المادي والمعنوي لرجال التعليم قد يخلق بيئة قابلة للاختراق.
المركزية المفرطة: احتكار القرار في الرباط وسقوطه على الأقاليم يولد ثغرات لوجستية في سلسلة التوزيع والتأمين.
إن تسريب الامتحانات في المغرب ليس مجرد فعل جرمي يقوم به أفراد، بل هو عَرَض لمرض سياسي يتمثل في تغليب “الواجهة” على “الجوهر”. إن إصلاح التعليم لا يبدأ بسبورة إلكترونية أو برمجيات “مسار”، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية كفضاء للقيم، وبناء نظام محاسبة سياسي حقيقي يجعل من “الاستهتار بمستقبل التلاميذ” خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
المعركة اليوم ليست مع “المسربين” فقط، بل مع “منهجية تدبير” ترى في التعليم “سوقاً” وفي التلميذ “رقماً” وفي الأستاذ “أداة”.
