بولعيش تكتب: حكامة تدبير الكوارث والأزمات: امتحان حقيقي لصدق الإصلاح

أضحت الكوارث الطبيعية والأزمات المتعددة، من زلازل وفيضانات وحرائق وأوبئة، اختبارًا حقيقيًا لنجاعة السياسات العمومية وقدرة الحكومات على حماية مواطنيها. وفي المغرب، يفرض تواتر هذه الأزمات إعادة طرح سؤال الحكامة بوضوح ومسؤولية: هل نمتلك نموذجًا قائمًا على الاستباق، أم ما زلنا نتحرك بمنطق التدخل بعد وقوع الضرر؟
لقد أبانت الدولة في أكثر من مناسبة عن قدرة على التعبئة، غير أن ذلك لا يخفي استمرار اختلالات بنيوية مرتبطة بتشتت القرار، وضعف التنسيق، وغياب التقييم والمساءلة. وهي اختلالات لا يمكن تجاوزها دون إرادة إصلاحية حقيقية تجعل من الحكامة مدخلًا أساسيًا لحماية الأرواح وصون الكرامة.
مرجعية دستورية ملزمة
يؤسس دستور 2011 لمنظومة واضحة في مجال الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالفصل 1 يقر هذا المبدأ كقاعدة ناظمة للعمل العمومي، بينما يؤكد الفصل 31 على واجب الدولة في تعبئة كل الوسائل لضمان الحق في العلاج والحماية الاجتماعية والعيش في بيئة سليمة، وهي حقوق تتأثر مباشرة عند وقوع الكوارث.
كما تلزم الفصول 154 و136 و140 و145 المرافق العمومية والجماعات الترابية باحترام مبادئ الجودة والشفافية والعدالة المجالية واللاتمركز الإداري، بما يفرض وضوح القيادة وتكامل الأدوار خلال الأزمات.
من التدخل إلى الوقاية
لا يمكن الحديث عن حكامة رشيدة في ظل استمرار منطق التدخل بعد الكارثة. فضعف منظومات الإنذار المبكر، وعدم تحيين خرائط المخاطر، واستمرار التعمير في مجالات هشّة، كلها مؤشرات على غياب ثقافة الوقاية.
إن الخيار الإصلاحي، كما يؤمن به حزب العدالة والتنمية، يضع الاستباق وترشيد القرار وحماية المال العام في صلب السياسات العمومية، باعتبارها الطريق الأنجع لتقليص الخسائر وحماية المواطنين.
الحكامة الترابية والمساءلة
تظل الجماعات الترابية، خاصة في المناطق القروية والجبلية، أول من يواجه الكارثة وآخر من يستفيد من الإمكانيات. وهو ما يستدعي تمكينًا فعليًا للجهات والجماعات، وتأهيل المنتخبين، واعتماد مخططات محلية لتدبير المخاطر، في انسجام مع خيار الجهوية المتقدمة.
كما أن بناء الثقة يمر عبر التقييم بعد كل أزمة، وتحديد المسؤوليات، وتفعيل المحاسبة، بدل طيّ الصفحات دون استخلاص الدروس.
خاتمة
إن تدبير الكوارث والأزمات ليس ملفًا تقنيًا معزولًا، بل قضية سياسية ودستورية بامتياز، تمتحن صدق خيار الإصلاح وبناء الدولة الاجتماعية. والرهان اليوم هو الانتقال إلى نموذج حكامة استباقية، شفافة، ومسؤولة، تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.

سعاد بولعيش

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.