بولعيش تكتب: “أمطار الخير”… حين تكشف التساقطات عورة الصفقات

تُعد صفقات إنجاز الطرق من بين أهم أدوات تحقيق التنمية المجالية، لما لها من دور مباشر في فك العزلة، وتحسين شروط العيش، وربط المناطق القروية وشبه الحضرية بدينامية الاقتصاد والخدمات. غير أن ما أفرزته بعض المشاريع المنجزة في الآونة الأخيرة، خاصة بعد التساقطات المطرية الأخيرة، أعاد إلى الواجهة نقاشًا مشروعًا حول جودة الإنجاز، ونجاعة صرف المال العام، واحترام قواعد الحكامة في تدبير الصفقات العمومية.
فمع ما يُعرف شعبيًا بـ“أمطار الخير”، بدأت تظهر بين الفينة والأخرى طرق حديثة الإنجاز وقد أصابها التآكل، وبدت عليها تشققات وانهيارات جزئية، رغم قِصر المدة الفاصلة بين إنجازها وتسلمها. وهي مشاهد تثير الاستغراب والقلق في الآن ذاته، ليس فقط لدى الساكنة المتضررة، بل لدى كل من يتتبع الشأن العام المحلي.
ولا يمكن اختزال هذه الظواهر في العوامل الطبيعية وحدها، إذ إن الطرقات المصممة وفق دراسات تقنية سليمة، والمنجزة باحترام دفاتر التحملات، يفترض أن تصمد أمام تساقطات مطرية موسمية معتادة. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جودة المواد المستعملة، ومصداقية الدراسات القبلية، ودور المراقبة التقنية خلال مختلف مراحل الإنجاز.
إن الحديث عن اختلالات محتملة في بعض الصفقات لا يعني تعميم الاتهام، ولا التشكيك في كل المشاريع أو المتدخلين، لكنه يفرض، في المقابل، اعتماد مقاربة شفافة ومسؤولة، تقوم على التقييم والافتحاص وربط المسؤولية بالمحاسبة، حمايةً للمال العام، وصونًا لثقة المواطن في المؤسسات.
فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الكيلومترات المعلنة في البلاغات، ولا بالصور الملتقطة عند التدشين، بل بمدى استدامة المشاريع، وقدرتها على خدمة المواطن لسنوات، دون أن تتحول إلى أوراش متكررة لإعادة الإصلاح، واستنزاف الميزانيات.
وأمام هذه المعطيات، يصبح من الضروري:
تعزيز آليات المراقبة القبلية والبعدية لصفقات الطرق.
تفعيل الافتحاص التقني والمالي كلما دعت الحاجة.
نشر المعطيات المرتبطة بالمشاريع تكريسًا للشفافية.
إشراك المنتخبين والهيئات المدنية في تتبع الإنجاز.
إن “أمطار الخير” لم تكن سببًا في تدهور بعض الطرق، بقدر ما كانت اختبارًا طبيعيًا كشف ما خفي من أعطاب. والرهان اليوم ليس في تبادل الاتهامات، بل في تصحيح المسار، وترسيخ منطق الحكامة الجيدة، حتى تظل صفقات الطرق رافعة حقيقية للتنمية، لا عنوانًا لأسئلة مؤجلة.

سعاد بولعيش

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.