خليل العناني
أهم وأخطر ما في مقابلة كارلسون مع هوكابي ليس البعد السياسي أو الاستراتيجي فحسب، بل البعد اللاهوتي والعقائدي أيضا.
فقد ذهب كارلسون يبحث عن إجابات لأسئلة دينية ولاهوتية كبرى يبدو أنه هو نفسه حائر فيها ومتشكك في أسسها، خصوصا ما يتعلق بأهم نقطتين أو مسألتين في صلب العقيدة والفكرة الصهيونية وهما: الأرض والشعب.
١. ما هي حدود الأرض التي وُعد بها إبراهيم ونسله في النصوص التوراتية (العهد القديم والجديد)، وأين يجب أن تقف هذه الحدود اليوم خاصة في ظل الدولة الوطنية الحديثة؟
٢. وما هي طبيعة هذا النسل عرقياً وإثنياً؟ وهل يقتصر على اليهود وحدهم أم يشمل أقواما أخرى؟ والأهم: كيف يمكن أصلًا تحديد هذا النسل وبأي معايير—دينية أم عرقية؟
وقد وصل النقاش إلى حد طرح فكرة إجراء اختبارات بيولوجية (DNA) لكل من يدّعي أنه يهودي ومن نسل إبراهيم لمعرفة أصله وفصله. ناهيك عن الأسئلة المتعلقة بحق العودة لليهود المتحولين إلى المسيحية استنادا إلى الوعد الإلهي علما بأن المحكمة العليا في إسرائيل ترفض ذلك حسب كارلسون.
هوكابي نفسه قس ينتمي إلى تيار المسيحية الصهيونية، ومن أبرز المبشرين به والمدافعين عنه، إلى درجة تجعلك تشك أنه يهودي متخفي وليس مسيحيا. ورغم ذلك فقد فشل فشلا ذريعا في تقديم إجابات مقنعة لكل هذه الأسئلة اللاهوتية. وهو ما يفسر الصدمة والضجة الكبيرة التي أثارتها المقابلة؛ إذ طُرحت فيها هذه الإشكالات اللاهوتية الحساسة الخاصة بالصهيونية علنا وبلا مواربة. كما أن توقيتها يأتي بعد عامين من الابادة التي عرت وكشفت زيف البعد الأخلاقي في الخطاب الديني والسياسي المرتبط بفكرة «الشعب المختار». وكان كارلسون ايضا هو أول من كشف زيف هذه المقولة عندما قال عبارته الشهيرة قبل شهور: الإله لا يختر شعبا يقتل الاطفال والنساء.
لاحظ أن جوهر النقاش كله لا يدور حول بني إسرائيل الذين ورد ذكرهم في النصوص بوعد الأرض المقدسة مقرونا بشرط الصلاح وعدم الإفساد والذين يدخل فيهم العرب من نسل إبراهيم وإسماعيل، بل يدور حول اليهود وهو مفهوم أعم وأشمل دينيا وعرقيا وإثنيا من مفهوم بني إسرائيل أتباع سيدنا موسى الذين وعدوا بالأرض المقدسة والذين انقلب فريق منهم على عهدهم وميثاقهم معه، والذين هم حاليا إما انقرضوا أو اختلطوا وذابوا في بقية الشعوب والأمم حسب بعض الدراسات الأنثروبولوجية.
خلاصة القول أننا إزاء إعادة فتح لأبواب جدل لاهوتي مسيحي ويهودي قديم حول كل هذه المسائل خاصة مسألة الوعد الإلهي والأرض والذي حسمه القرآن منذ ١٤٠٠ عام في مواضع وآيات كثيرة منها:
(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين).
(قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين).
(وقال موسى يا قوم إن كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين).
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون).
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
