[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

بولعيش تكتب: السياسة تحتاج إلى المعقول…….. خيار الإصلاح المسؤول

سعاد بولعيش
تُختبر الأحزاب ليس بحدة خطابها، بل بعمق رؤيتها، وليس بعلو صوتها، بل بقدرتها على الجمع بين الثبات والمرونة. ومن هنا، فإننا نؤكد أن السياسة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى المعقول؛ تحتاج إلى عقل دولة، ومنهج إصلاح، ونَفَس وطني طويل.
المعقول في تصورنا ليس حيادًا بين الحق والباطل، ولا ترددًا أمام الاختلالات، بل هو التزام واعٍ بالإصلاح من داخل المؤسسات، في إطار الثوابت الوطنية الجامعة، وعلى رأسها إمارة المؤمنين، واحترام الدستور، وصيانة الاختيارات الكبرى للأمة. وهو ذات المنهج الذي تأسس عليه حزب العدالة والتنمية منذ انطلاقته: إصلاح متدرج، واضح المرجعية، مسؤول في الممارسة.
لقد علمتنا التجربة أن الشعبوية قد تحشد لحظة، لكنها تُضعف الدولة على المدى البعيد. وأن المزايدات قد تُربك المشهد، لكنها لا تُنتج حلولًا. لذلك اخترنا – وسنظل نختار – طريق المعقول: قول الحقيقة للمواطنين، مهما كانت صعبة؛ الدفاع عن القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية بأدوات واقعية؛ ومحاربة الفساد بمنهج مؤسساتي لا انتقائي.
إن المعقول يفرض علينا اليوم أن نمارس معارضتنا – حين نكون في موقعها – باعتبارها أمانة دستورية لا منصة صراخ. نعارض حين يلزم الأمر، ونقترح البدائل، وننحاز لمصالح الوطن فوق كل اعتبار. فلا نُعطل المؤسسات، ولا نُسقط الثقة في الدولة، ولا نستثمر الأزمات لتحقيق مكاسب ظرفية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح لزامًا إعادة الاعتبار لثلاث أولويات كبرى:
العدالة الاجتماعية الحقيقية: عبر سياسات تحمي الفئات الهشة، وتُعزز تكافؤ الفرص، وتربط الدعم بالإنتاج والكرامة.
الحكامة الجيدة: بتكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع الشفافية، وتفعيل آليات الرقابة.
صيانة الهوية والقيم: باعتبارها ركيزة الاستقرار المجتمعي، في انسجام مع التوجيهات الملكية التي يؤكد فيها محمد السادس على الجدية والتماسك الوطني.
إن المعقول ليس خطابًا دفاعيًا، بل موقفًا هجوميًا أخلاقيًا ضد العبث السياسي وضد تسليع الوعي العام. هو دعوة إلى إعادة السياسة إلى معناها النبيل: خدمة الصالح العام، وتأطير المجتمع، وتأهيل النخب، لا تحويل الفضاء العمومي إلى ساحة تراشق أو تصفية حسابات.
نحن نؤمن أن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على ردود الأفعال، بل على رؤية استراتيجية، وعلى وضوح في المرجعية، وعلى شجاعة في اتخاذ القرار. كما نؤمن أن ثقة المواطن لا تُشترى بالشعارات، بل تُكتسب بالمصداقية، وتُصان بالوفاء للالتزامات.
ختامًا، فإن خيار المعقول ليس تكتيكًا سياسيًا، بل هوية إصلاحية راسخة. به نحفظ استقرار وطننا، ونُدافع عن كرامة مواطنينا، ونُسهم في بناء مغرب قوي بمؤسساته، متماسك بقيمه، متقدم بتنميته.
فالسياسة، حين تستند إلى المرجعية وتتحصن بالمسؤولية، تتحول من صراع مواقع إلى مشروع وطن.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.