هبد سيدي اعلي سالم
تعيش الولايات المتحدة اليوم حالة من “الفصام الهيكلي”؛ حيث يتصادم الرمز الإمبراطوري المتضخم مع الواقع السوسيولوجي المتآكل. إن فهم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن اختزاله في “النفط” أو “الأمن” فقط، بل يجب قراءته كآلية توازن بيولوجي لنظام مالي يعيش على الديون ويحتاج باستمرار إلى “قرابين” خارجية لتأجيل انفجاره الداخلي.
1. سوسيولوجيا الديون: العملة كعقيدة
من منظور أنثروبولوجي، لم يعد الدولار مجرد وسيلة تبادل، بل أصبح “عقيدة” عالمية مدعومة بقوة السلاح. عندما تجاوزت الديون الأمريكية حاجز الـ 34 تريليون دولار، انتقلت أمريكا من مرحلة “الدولة المنتجة” إلى مرحلة “الدولة الريعية العالمية”.
تفريغ التضخم: لكي يستمر المواطن الأمريكي في استهلاك بضائع رخيصة رغم التضخم، يجب أن يظل الدولار هو العملة الوحيدة لتسعير الطاقة. أي تمرد على هذه المنظومة في الشرق الأوسط يُقابل برد فعل عسكري عنيف، ليس دفاعاً عن الديمقراطية، بل دفاعاً عن “قيمة الورقة الخضراء” التي تسند الاقتصاد الأمريكي المترنح.
الدين كأداة سيطرة: الديون ليست عبئاً على واشنطن بقدر ما هي “قيد” على الدائنين؛ فالعالم مضطر لاستقرار أمريكا كي لا تضيع أمواله، وهو ما يمنح واشنطن “قوة وهمية” مستمدة من ضعف الآخرين وخوفهم من الانهيار الجماعي.
2. طقوس الحرب: المجمع الصناعي العسكري كـ “قبيلة”
في الأنثروبولوجيا السياسية، تحتاج الكيانات الكبرى إلى “عدو” لضمان التماسك الداخلي. بالنسبة لأمريكا، يمثل الشرق الأوسط المسرح المثالي لتمثيل طقوس القوة:
اقتصاد الاستنزاف: الحرب في الثقافة السياسية الأمريكية هي “صناعة”. تفريغ مخازن السلاح في نزاعات الشرق الأوسط ليس فشلاً استراتيجياً بالضرورة، بل هو دورة حياة اقتصادية. كل صاروخ يُطلق هو “طلب شراء” جديد لمصانع في أوهايو وأريزونا، مما يخفف مؤقتاً من وطأة الركود الداخلي.
تصدير العنف: من خلال إبقاء الشرق الأوسط في حالة “فوضى محكومة”، تضمن واشنطن بقاء المنطقة كـ “إسفنجة” تمتص التوترات العالمية، مما يسمح للمركز الإمبراطوري (واشنطن) بالادعاء بأنه القوة الوحيدة القادرة على ضبط الإيقاع.
3. القوة الوهمية: تآكل “الهيمنة الرمزية”
تعاني أمريكا مما يسميه الأنثروبولوجيون “التمدد الإمبراطوري المفرط”. القوة هنا تصبح “وهمية” لأنها تعتمد على السمعة (Prestige) أكثر من القدرة الفعلية على التغيير.
الفجوة بين الواقع والصورة: نرى أساطيل أمريكية تتحرك، لكنها لا تستطيع حسم صراع مع جماعات غير نظامية. هذا التباين يكشف أن القوة العسكرية الأمريكية مصممة لحروب القرن العشرين، بينما العالم انتقل إلى حروب الشبكات والاقتصاد السيبراني.
الهروب إلى الأمام: بدلاً من إصلاح النظام الضريبي أو خفض الإنفاق العسكري الهائل لمعالجة التضخم، تلجأ النخبة الأمريكية إلى افتعال أزمات خارجية. هذا “الهروب” هو محاولة لتأجيل لحظة الحقيقة: لحظة الاعتراف بأن النموذج الرأسمالي الأمريكي لم يعد قادراً على تمويل نفسه إلا عبر “النهب المنظم” للثروات العالمية أو افتعال الحروب لبيع الحماية.
4. الشرق الأوسط: منجم الذهب ومنصة التفريغ
الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا ليس جغرافيا، بل هو “رئة اقتصادية”:
امتصاص الفائض: صفقات السلاح المليارية هي الوسيلة الأسرع لسحب السيولة من الدول النفطية وإعادتها للخزانة الأمريكية.
مختبر التكنولوجيا: المنطقة تعمل كحقل تجاربي لأحدث تقنيات القتل والمراقبة، والتي تُباع لاحقاً لبقية العالم، مما يحافظ على تفوق أمريكا التقني رغم تراجع تعليمها وصناعاتها المدنية.
الخاتمة: نهاية “الاستثناء الأمريكي”
إن محاولة تفريغ التضخم والأزمات الهيكلية في حروب الشرق الأوسط هي مقامرة تاريخية. الأنثروبولوجيا تخبرنا أن الإمبراطوريات لا تسقط عادة بسبب هجوم خارجي، بل بسبب “الاحتراق الداخلي” الناجم عن الانفصال عن الواقع. أمريكا اليوم تطارد شبح قوتها القديمة في صحاري الشرق الأوسط، بينما التهديد الحقيقي يكمن في أرقام الحواسيب داخل “وول ستريت” وفي طوابير المعونة الغذائية في مدنها المنسية.

