نعيمة بويغرومني
على أبواب اليوم العالمي للمرأة، لا يبدو السؤال: كيف نحتفل؟
بل: كيف نُقيِّم؟
فالاحتفاء سهل، أما المراجعة فشجاعة، والورود بكل ألوانها تذبل سريعاً، أما القرارات فتبقى آثارها في حياة الناس.
صحيح، هناك مكاسب لا تُنكر… لكن الطريق أطول من الشعارات.
فلا أحد ينكر أن المغرب راكم خطوات مهمة في مسار تمكين المرأة: إصلاحات قانونية وازنة، توسع في تعليم الفتيات، حضور متنامٍ في المجالس المنتخبة، وبروز أسماء نسائية في الإدارة والقضاء والاقتصاد.
لكن التقييم الصادق، الذي لا محاباة فيه، لا يُقاس بكمِّ النصوص، بل بمدى انعكاسها على الواقع المعيش للمرأة المغربية.
فما تزال نسب النشاط الاقتصادي للنساء دون المستوى المنشود، وما تزال الفوارق المجالية تُضاعف معاناة المرأة في القرى والهوامش، وفي عمق جغرافية هذا الوطن.
نعم، لقد تحركت العجلة، لكنها لم تبلغ بعد سرعة التحول العميق الذي ينصف نصف المجتمع.
المناصب العليا: من الاستثناء إلى القاعدة
دخلت المرأة المغربية دائرة المناصب العليا، فأصبحت وزيرة، وسفيرة، ومديرة مركزية، ومسؤولة في مؤسسات استراتيجية، ولم يعد وجودها حدثاً نادراً كما كان.
لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً:
هل أصبح حضورها قاعدة مستقرة، أم لا يزال استثناءً محسوباً؟
إذ، ما تزال مواقع القرار الاقتصادي والمالي الكبرى تميل إلى الغلبة الذكورية،
فمجالس الإدارة، ومراكز القرار المالي، والهيئات الاستراتيجية الكبرى، لا تزال تعكس عدم توازن في ميزان الحضور، بما يجعل التقدم المحقق جزئياً أكثر منه بنيوياً.
وما تزال بعض التعيينات تُقرأ بوصفها إشارات رمزية أكثر من كونها جزءاً من رؤية مؤسساتية واضحة لتكافؤ الفرص.
وعليه، فالمطلوب اليوم ليس كسر السقف الزجاجي فحسب،
بل إزالة منطق السقف أصلاً، وإعادة هندسة الثقافة المؤسسية نفسها، حتى يصبح تكافؤ الفرص قاعدة تأسيسية لا مطلباً تصحيحياً، ويغدو وجود المرأة في قمة القرار أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى تبرير أو احتفاء خاص.
الأحزاب أمام مرآة اختياراتها
إذا كانت المناصب العليا مسؤولية الدولة، فإن اختيار الكفاءات مسؤولية الأحزاب.
الترشيح ليس إجراءً شكلياً، بل امتحان ضمير؛ لأنه اللحظة التي تنتقل فيها الشعارات من المنصات إلى لوائح الأسماء، ومن الخطاب إلى الاختبار الحقيقي للعدالة.
هل تُختار المرأة على أساس استحقاقها وكفاءتها، أم وفق علاقات… والحظوة والقَُرب من أعمدة وقيادات الحزب، والقرابة العائلية، والشبكات الضيقة؟
وبكلمة، الأحزاب التي تريد أن تكون مدرسة حقيقية، لا واجهة انتخابية، تُكوِّن قبل أن تُرشِّح، وتربط المسؤولية بالكفاءة لا بالولاء، وبالنضالية والتدرج لا بمنطق “باك صاحبي”.
فالمرأة الكفؤة التي اختارت معترك السياسة بمنعرجاته الوعرة، ورياحه المتقلبة… ودخلت بابه عن قناعة .. لا تحتاج إلى حماية العلاقات،بل تحتاج إلى نظام إنصاف شفاف، يحمي استحقاقها كما يحمي الوطن من هدر الطاقات.
وهذا معيار صريح للجدية في الإصلاح.
المرأة مرآة للإصلاح وميزان صدقه
ليست قضية المرأة ملفاً جانبياً في أجندة الإصلاح، بل هي معيار لصدقه وامتحان لخُطبه؛ لأنها تختصر في مسارها صورة الدولة: كيف تختار؟ كيف تُنصف؟ وكيف تُدير الاختلاف في إطار العدالة؟
فحيث تكون الشفافية حاضرة، تتقدم الكفاءات النسائية طبيعياً. وحيث تُحترم العدالة في توزيع الفرص، تختفي الحاجة إلى الصراخ بالمظلومية، وتتراجع رسائل الطعن الصريحة والمبطنة.
وحيث تكون الدولة قوية بمؤسساتها، لا بشبكاتها، يصبح التمكين نتيجة منطقية لا منحة ظرفية.
إن وضعية المرأة تكشف، بوضوح أحياناً وبألم أحياناً أخرى، مكامن الخلل في منظومة كاملة: في الاقتصاد، في الثقافة، في السياسة، وفي التربية على تقاسم الأدوار.
ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم امرأة في المنصب؟ بل: أي نموذج نُشيّد؟ وأي ثقافة قيادية نُرسّخ؟
نموذج يُكرّس الكفاءة… أم يعيد إنتاج الامتياز؟ وهل نملك شجاعة مراجعة اختياراتنا حين لا تُحقق العدالة التي نعلنها؟
شراكة لا مجاملة
في هذه المحطة الأممية، 8 مارس، لا نحتاج إلى خطاب عاطفي، بل إلى تعاقد أخلاقي صادق. تعاقد يجعل من العدالة معياراً لا استثناء، ومن الكفاءة سلّماً لا امتيازاً، ومن حضور المرأة في مواقع القرار بناء على كفاءتها شراكة حقيقية لا مجاملة موسمية. فالعدالة لا تُؤجَّل باسم التدرج، ولا تُزيَّن باسم الاحتفال، ولا تُختزل في صورة جماعية ليوم واحد في السنة.
فالمرأة المغربية لم تعد تطلب الاعتراف بوجودها، بل تطلب الاعتراف بقدرتها. ولا تطلب موقعاً على الهامش، بل مكاناً في قلب القرار رفقة إخوانها الرجال.
وعليه، كل مسؤول، وهو يوقّع قراراً أو يختار اسماً، مدعوٌّ أن يراجع ضميره:
هل أنصفتُ الوطن؟
هل أنصفت الكفاءة؟
هل أنصفت العدالة؟
هل شهادتي أجرٌ لي أم وزرٌ عليّ؟
فهل يتحقق المراد قريباً بحول الله؟
أم ستظل الرسالة حيّة، والسؤال مطروحاً متى حل شهر مارس، فنردد أنا وأخواتي في التأنيث قول الشاعر:
“عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟”
