حذّر “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” من استمرار “إسرائيل” في توظيف سياسات التجويع كسلاح ضمن الإبادة الجماعية المستمرة ضد السكان المدنيين في قطاع غزة، عبر التحكم المقصود في كمية ونوعية المواد الغذائية والسلع الأساسية المسموح بإدخالها إلى القطاع، وتقليص تدفق المساعدات الإنسانية والتجارية، بما يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية وعودة شبح المجاعة على نطاق واسع.
وقال المرصد، في بيان صحافي صدر اليوم الاثنين، إن “إسرائيل” تستغل الانشغال الدولي بحربها المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية على إيران لتشديد الحصار المفروض على قطاع غزة، ومواصلة استخدام التجويع بما يعمّق الكارثة الإنسانية ويكرّس الأثر التدميري للإبادة الجماعية المستمرة ضد السكان المدنيين.
وأوضح أن “إسرائيل” أغلقت المعابر بشكل كامل مع القطاع خلال الأيام الأولى من الحرب، قبل أن تعيد فتح معبر واحد مع تقليص عدد الشاحنات المسموح بدخولها.
وأشار المرصد إلى أن السلطات الإسرائيلية أغلقت في 28 فبراير الماضي جميع المعابر مع قطاع غزة، وعلّقت إدخال المعونات والوقود والإمدادات التجارية، إضافة إلى تعليق تنسيق البعثات الإنسانية في المناطق التي ما تزال القوات الإسرائيلية تنتشر فيها أو بالقرب منها، فضلًا عن وقف عمليات الإجلاء الطبي وعودة السكان من الخارج وتناوب الموظفين العاملين في المجال الإنساني.
وأضاف أنه في 3 مارس الجاري أعادت السلطات الإسرائيلية فتح معبر “كرم أبو سالم” أمام كميات مقلّصة من الوقود وشحنات المساعدات القادمة عبر مصر و”إسرائيل”، في حين بقيت عمليات نقل المساعدات من الضفة الغربية والأردن معلقة حتى 5 مارس.
كما سمحت باستئناف بعض الواردات التجارية عبر المعبر ذاته، لكن بكميات أقل من الفترة السابقة، التي لم تكن تمثل أصلًا سوى نحو 40% من الكميات المتفق على إدخالها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن السلطات الإسرائيلية لم تسمح سوى بمرور عشرات الشاحنات إلى قطاع غزة منذ إعادة فتح معبر “كرم أبو سالم” وحتى نهاية الأسبوع الماضي، وهو عدد يقل بنحو 30 شاحنة يوميًا عن المعدل الذي كان يُسمح بدخوله قبل اندلاع الحرب مع إيران.
ونبّه المرصد إلى أن “إسرائيل” تواصل الإخلال بالتزاماتها الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار، ولاسيما ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية والسلع التجارية. وذكّر بأن الاتفاق ينص على دخول نحو 600 شاحنة يوميًا إلى قطاع غزة، بينها 50 شاحنة وقود، في حين أن ما دخل فعليًا، وفق المعطيات التي وثقها المرصد، لا يتجاوز 41% من إجمالي الشاحنات المتفق على إدخالها.
وأوضح أن الخرق الأبرز يتمثل في ملف الوقود، إذ لم تتجاوز الكميات المدخلة 14.8% من الكمية المتفق عليها، ما أدى إلى استمرار شلل قطاعات حيوية، بينها المستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي وخدمات الإغاثة، إضافة إلى قطاع النقل.
ووفق المعطيات التي حصل عليها المرصد الأورومتوسطي، فإن مجموع الشاحنات التي دخلت قطاع غزة بلغ 37,369 شاحنة فقط منذ وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025. وتوزعت هذه الشاحنات بين 20,926 شاحنة مساعدات إنسانية بنسبة 56%، و15,312 شاحنة تجارية بنسبة 41%، و1,131 شاحنة وقود بنسبة 3% من إجمالي الشاحنات، في ما وصفه المرصد بأنه تنكّر خطير للالتزام بالكميات المنصوص عليها في الاتفاق.
كما نبّه المرصد إلى أن السلطات الإسرائيلية تقدّم أرقامًا مضللة بشأن حجم المساعدات التي تسمح بدخولها إلى قطاع غزة، وترفض إخضاع عمليات إدخالها لرقابة دولية مستقلة، الأمر الذي يعيق التحقق من صحة الأرقام التي تعلنها ويقوّض إمكانات مساءلتها، ويعمّق أزمة الإمدادات الإنسانية في ظل تحكمها الكامل في طبيعة السلع والكميات المسموح بإدخالها.
وفي سياق متصل، أشار المرصد إلى استمرار إغلاق معبر رفح البري أمام حركة السفر منذ بدء الحرب على إيران، رغم أنه لم يُسجّل خلال فترة فتحه السابقة سوى عبور 1,934 مسافرًا ذهابًا وإيابًا من أصل 6,600 مسافر كان يُفترض سفرهم، بنسبة التزام لم تتجاوز 29.3%، ما يعكس تقليصًا متعمدًا لأعداد العابرين وعدم الالتزام بالبروتوكول الإنساني المنظم لعمل المعبر.
وأوضح المرصد أن هذا المنع لا يشكّل مجرد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بل قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم موصوفة بموجبه، بما في ذلك جريمة استخدام التجويع ضد السكان المدنيين، كما يندرج ضمن الأفعال المكوّنة لجريمة الإبادة الجماعية، خاصة من خلال إخضاع الفلسطينيين عمدًا لظروف معيشية تستهدف تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا وإلحاق أذى بدني ونفسي جسيم بهم.
وأشار المرصد إلى أن خطورة هذه السياسات تتفاقم في ظل التدمير المنهجي الذي طال الموارد الغذائية المحلية في قطاع غزة وسلاسل إنتاج الغذاء وتجهيزه وتصنيعه وتوزيعه، ما أفقد السكان القدرة على الاعتماد على مصادرهم الداخلية، وجعل بقاءهم مرتبطًا بصورة شبه كاملة بتدفق المساعدات والسلع القادمة من الخارج.
وأكد المرصد أن إسرائيل تواصل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة من خلال الحصار الشامل ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع اللازمة لبقاء السكان، وحظر إعادة إعمار المنازل والبنية التحتية المدنية والغذائية، بما يفرض عمدًا على الفلسطينيين ظروفًا معيشية تُفضي إلى إهلاكهم المادي كليًا أو جزئيًا، وتُلحق بهم أذى بدنيًا ونفسيًا جسيمًا، وتدفعهم قسرًا نحو التهجير.
وأشار إلى أن استمرار هذه السياسات يفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي ويهدد بعودة المجاعة في قطاع غزة، في ظل التدمير الواسع للبنية التحتية وانهيار القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتعطل الخدمات الأساسية، بما فيها المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية ووسائل النقل والتخزين والتوزيع، الأمر الذي يجعل حصول السكان على الغذاء والدواء ومقومات البقاء الأساسية رهينًا بما تسمح إسرائيل بإدخاله من الخارج.
وطالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات فورية وفعالة، تشمل فرض عقوبات على “إسرائيل”، ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة، وضمان الإدخال الفوري والمنتظم ودون قيود للمساعدات الإنسانية والوقود والسلع التجارية بما يتوافق مع الاحتياجات الفعلية للسكان، إلى جانب فرض رقابة دولية مستقلة على آليات إدخالها وتوزيعها، وضمان فتح جميع المعابر أمام حركة البضائع والأفراد، بما في ذلك الإجلاء الطبي وسفر المرضى والجرحى والعالقين وتناوب الطواقم الإنسانية.
كما دعا إلى تمكين الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من العمل والوصول الآمن دون عوائق، والسماح بإدخال المواد والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية المدنية والغذائية والخدمات الأساسية، وممارسة ضغط جدي على “إسرائيل” لوقف استخدام الحصار والتجويع أداة ضد السكان المدنيين، والالتزام الكامل بالقانون الدولي ومساءلتها عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة.
ويوميًا تخرق “إسرائيل” اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر الماضي، وبحسب المعطيات، فقد أسفرت خروقات “إسرائيل” المتواصلة منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد 671 فلسطينيًا، بينهم 199 طفلاً و81 امرأة و21 مسناً، ما يشكل 45.5% من إجمالي الضحايا.
كما وصل عدد المصابين إلى 1762 جريحاً، من بينهم 526 طفلاً و351 امرأة و93 مسناً، بنسبة 55.2% من الفئات الأكثر ضعفاً، في مؤشر يعكس اتساع تأثير العمليات العسكرية على المدنيين في قطاع غزة.
وارتكبت “إسرائيل” منذ 7 أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 244 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
[ after header ] [ Mobile ]
[ after header ] [ Mobile ]

رابط المشاركة :
شاهد أيضا
