نور الدين العوفي، أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط
مؤشرات الهزيمة الأمريكية-الصهيونية باتت ظاهرة للعيان، لا تخفيها الغرابيل. لا شيء تحقق من العدوان المباغت، المخاتل، المخادع الذي استهدف إيران. لم يسقط النظام، لم ينتفض الشعب، لم تتفكك البلاد، لم ينشق الجنود، لم يفلح العملاء، لم تستسلم الدولة. جاء الرد سريعاً، صاعقاً، قاصفاً، خارقاً، جاءهم من حيث لا يحتسبون.
المسار الذي شقَّته إيران منذ الأسبوع الثاني بالسيطرة المطلقة على مضيق هرمز سوف لن يزيد أمريكا سوى رهقاً، وعنتاً، ووجعاً. ولأن الاقتصاد عصب الحرب، والنفط نبض الاقتصاد، وسعر البرميل إذا ما التهب سوف يتداعى له العالم، الغربي خاصة، بالأزمة الاقتصادية، وبالانهيار المالي.
كل هذا يؤكد أن الشرق الأوسط لن يعود إلى سابق حاله، ولن يكون على الحال التي توهمها الكيان. إذ انقلب السحر على الساحر، وها هي الفتنة الكبرى التي أوقدها منذ عقود، ونفخ فيها بكل ما أوتي من مكر سيء بدأت تثير الوعي العربي، وتستنفر لديه سؤال الوجود.
ذلك أن دول الخليج التي اشترت بثمن باهظ أمنها والرفاه الذي ترفل فيه، كانت تحسب أن القواعد العسكرية الأمريكية تحميها من “النيران الصديقة”، وأن خيار التطبيع هو الذي يقيها شر الكيان، ويأتيها بالخير العميم، فكشفت الحرب أن الحساب كان خاطئًا، إذ أن “مدن الملح” بدت عارية، سقيمة أمام الإعصار.
هذا الكشف الحارق، لن تنطفئ جمرته سوى بالمراجعة الشاملة، السياسية، والفكرية، والإستراتيجية تحت الشروط التالية:
أولاً، درء الفتنة الطائفية الشيعية السنية بوأْد الأسباب الخفية التي تغذيها، وتنفخ فيها.
ثانياً، الخروج من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية.
ثالثاً، بناء القدرة الذاتية، الوطنية والقومية، على قاعدة المعرفة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
رابعاً، التنمية المستقلة والشاملة القائمة على التكامل بين الاقتصادات العربية.
خامساً، صياغة وتفعيل إستراتيجية دفاعية مشتركة تقوم على بنية صناعية عسكرية مستقلة، تحفظ الأمن، وتضمن السيادة.
هي شروط قديمة، لكنها غير متقادمة. فمنذ “طوفان الأقصى” والنار على التخوم، ظن العرب أنها لن تطالهم، ها هي اليوم في عقر الدار، والعرب هم من قالوا “ما غُزِي قوم في عقر دارهم إلا ذُلّوا”، وقد يبادوا عن بكرة أبيهم، وتذهب ريحهم إن هم ظلوا قاعدين على تلِّها.
