حميد بحكاك *باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة
مقدمة
شكلت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، موضوع بحث ودراسة ومتابعة لكثير من الباحثين والأكاديميين ورجال الإعلام والصحافة وصانعي القرار في العالم، وتجمع هذه الدراسات والأبحاث أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل علاقة معقدة ومركبة جدا وعادة ما تنعت بالعلاقة الخاصة، وتضاربت فيها التحليلات إلى حد التعارض، واختلفت الآراء بين من يقول إن إسرائيل تسيطر على صناعة القرار في أمريكا (فيما يخص الشرق الأوسط) من خلال اللوبي الإسرائيلي وأدواته كــــــ AIPAC والجمعيات اليهودية الموالية لإسرائيل، والسيطرة على الكونغريس الأمريكي أو التأثير فيه في الحد الأدنى، ويقدم شواهده وأدلته على ذلك، والرأي الآخر الذي يقول أن أمريكا هي من يسيطر على إسرائيل ويوجهها لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط كقاعدة أمريكية كاملة الأوصاف عسكرية وأمنية وسياسية، ويقدم أدلته من تصريحات لمسؤولين ورؤساء أمريكيين حول هذا الرأي، وأصبحنا أمام “تكافؤ الأدلة” كما هو معروف عند الفرق الكلامية، كما أن هناك اختلاف في تعدد الأسباب وأنواعها المفسرة والمؤثرة في هذه العلاقة المتبادلة أو التبعية المتبادلة، ما بين الأسباب الدينية والأسباب السياسية و الجيوسياسية أو هما معا، وفي هذه الورقة محاولة لقراءة هذه العلاقة وأسبابها المتنوعة والمركبة.
1 / في الأسباب الدينية: المسيحية الصهيونية وضرورة وجود إسرائيل
تتحدد الأسباب الدينية للعلاقة بين أمريكا وإسرائيل في التركيبة الدينية للمجتمع الأمريكي والرؤساء الأمريكيين الذي تعاقبوا على الولايات المتحدة الأمريكية وانتماءاتهم الدينية، فالمجتمع الأمريكي مسيحي الديانة في أغلبيته يمثل البروتستانت(الإنجيليون أو الانجليكانيون) 51.3%، في حين يمثل الكاثوليك في الولايات المتحدة 23.9%،(ويكيبديا ) بجانب الديانات الأخرى كالإسلام واليهودية والعقائد الأخرى كالبوذية والهندوسية وغيرها، وشكلت الهجرات الأولى إلى أمريكا طابعا دينيا، إذ فر البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا هربا من اضطهاد الكاثوليك، والكتاب المقدس عند المسيحيين البروتستانت هو “العهد القديم والعهد الجديد” ويتضمن الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) التي تروي حياة وتعاليم يسوع المسيح. وحسب المعتقدات المسيحية الإنجيلية فإن عيسى سيعود إلى الأرض ومن علامات ذلك ظهور إسرائيل، وهذا ما تتبناه “المسيحية الصهيونية” المؤيدة لإسرائيل والتي ينتمي إليها كثير من المسؤولين الأمريكيين أو يتعاطفون معها، منهم نواب في الكونغريس ورجال المال والإعلام، وبالتالي على المسيحيين الأمريكيين دعم إسرائيل لعودة المسيح الذي يعتبر يهوديا في نظرهم وبالتالي تعتبر هذه العلاقة دينية مقدسة، ونتج عن هذا التصور وجود علاقة “مسيحية يهودية” غذتها الدعاية الصهيونية والخطاب السياسي والإعلامي لرؤساء حكومات إسرائيل، وظهر ذلك وتأكد مؤخرا في خطابات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي “النتن ياهو” أثناء حربه ضد فلسطين في غزة، فكثيرا ما تحدث وفسر في خطاباته وتصريحاته أن ما يجري في غزة هو مواجهة بين “الحضارة اليهودية المسيحية” في مواجهة البربرية والتطرف والإرهاب.
هذا البعد الديني النبوءاتي أضفى على العلاقة بين أمريكا المسيحية وإسرائيل اليهودية طابعا مقدسا، لا تفسره الاعتبارات السياسية الانتخابية والديبلوماسية المتغيرة فقط، وإنما هو رباط مقدس وزواج كاثوليكي يعلو على الاعتبارات المصلحية التكتيكية والتحالفات الظرفية، ويرقى إلى علاقة استراتيجية تغذيها وتؤججها الماكينة الإعلامية الإسرائيلية على مدى عقود، وأصبحت حماية إسرائيل عقيدة سياسية راسخة لدى معظم الرؤساء الأمريكيين جمهوريين وديمقراطيين (تصريح بايدن بأن تكون صهيونيا ليس ضروريا أن تكون يهوديا).
2/ في الأسباب الجيو السياسية والعسكرية: إسرائيل دولة وظيفية
الأسباب السياسية ترى في إسرائيل قاعدة أمريكية متقدمة في مواجهة المد الشيوعي أثناء فترة الحرب الباردة، ثم فترة وموجة محاربة الإرهاب (ضد القاعدة والتنظيمات الجهادية ….) بعد سقوط الخطر الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وما بعد الحرب الباردة (عندما قال نتانياهو أن السابع من أكتوبر 2023 هو كأحداث الحادي عشر من شتنبر في أمريكا، وكما ردد “ارييل شارون” من قبله أن ياسر عرفات هو بالنسبة لإسرائيل كأسامة بن لادن لأمريكا) فأثناء فترة الحرب الباردة كانت الحروب بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي تتم عبر الوكالة، فتحولت آسيا ومنها الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى ساحة للمواجهة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي والصين، وأنشأت أمريكا قواعد عسكرية في شتى مناطق العالم ودعمت أنظمة حليفة أو تابعة لها في مواجهة المد الشيوعي السوفيتي، وكانت إسرائيل حليفة لأمريكا في الشرق الأوسط ضد الاتحاد السوفيتي والصين سابقا ثم ضد إيران بعد سقوط نظام الشاه، الذي كان يعتبر الحليف الثاني لأمريكا بعد إسرائيل وقتها حتى سمي “دركي أمريكا” في الشرق الأوسط، وتحظى إسرائيل بدعم مالي سنوي (المساعدات الاقتصادية) وعسكري (السلاح وقطع الغيار) وسياسي وديبلوماسي (استعمال حق الفيتو لإبطال أي قرار يدين إسرائيل، وعرقلة عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة) والضغط على الأنظمة العربية والإسلامية للتطبيع مع إسرائيل ودمجها في المنطقة ككائن طبيعي، كما حدث مع السودان من خلال رفعه من لائحة الدول الداعمة للإرهاب مقابل التطبيع مع إسرائيل، و مؤخرا اعتراف نتانياهو ب “إقليم أرض الصومال الانفصالي”، وأكثر من هذا تهدف المساعدات العسكرية إلى ضمان تفوق إسرائيل كأول قوة إقليمية عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ولدى إسرائيل أقوى سلاح جو في المنطقة بالإضافة إلى الترسانة النووية التي تحظى بحماية غربية أمريكية، وإبعادها عن كل رقابة دولية أو مساءلة كما يحدث مع إيران أو أي دولة أخرى، وصرح جو بايدن عندما قدم حزمة مساعدات عسكرية لأوكرانيا وإسرائيل : بأن دعم أمريكا لحلفائها هو تقوية لأمريكا.
وبالتالي أصبحت إسرائيل قاعدة أمريكية كاملة الأوصاف، وعصا تلوح بها أمريكا في وجه ما تعتبره في خطابها الإعلامي والسياسي محور الشر في الشرق الأوسط حسب السياقات، وبالتالي هذا الدور الذي تقوم به إسرائيل يخدم المصالح الحيوية لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، ويرفع من وتيرة التسلح الذي يصب في خزينة أمريكا، ويحول منطقة الشرق الأوسط التي تزخر بالخيرات والمعادن والثروات والبترول والغاز بالإضافة إلى المواقع الجيوسياسية (الممرات، والمحيطات، والمضايق ……) إلى منطقة نفوذ أمريكية.
مقابل هذا الدور الذي تقوم به إسرائيل، توفر أمريكا الحماية للمشروع الصهيوني بالتمدد وتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” (الاعتبار الديني) واحتلال أجزاء من الأراضي للدول المجاورة لإسرائيل وخلق مناطق آمنة لها ( ضم أراضي الجولان السورية في عهد ترامب) وكما جاء في تصريح السفير الأمريكي الحالي في إسرائيل “مايك هاكابي” خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، قال فيها إنه “لا بأس” إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، مستنداً إلى نصوص دينية من العهد القديم. وبالتالي هناك تكامل واندماج بين المشروع الصهيوني والسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وأصبحت إسرائيل دركي أمريكا في المنطقة تحارب بالوكالة عن أمريكا، وهو ما عبر عنه أكثر من مسؤول أمريكي، فقد صرح الرئيس جو بايدن أثناء زيارته “التضامنية” إلى تل أبيب بعد هجمات 7 أكتوبر 2023: “يجب أن تعود إسرائيل مكانا آمنا لليهود، وإنه لو لم تكن هناك إسرائيل لعملنا على إقامتها”1.
كما أن هناك تناوب في خدمة المشروع الصهيوني أو تبنيه من بريطانيا كإمبراطورية استعمارية سابقا إلى الولايات المتحدة الأمريكية حاليا مرورا بفرنسا ( مساعدة إسرائيل في إقامة مشروعها النووي)، وهو ما يتناغم مع العقل السياسي الغربي الذي يمجد القوة والسيطرة والهيمنة على الآخر كما جسدته الحركة الاستعمارية منذ القرن السادس عشر، و يتماشى كذلك مع سياسة مؤسسي الحركة الصهيونية، الذين كانوا يبحثون عن قوى عظمى لرعاية مشروعهم في إطار تبادل المصالح والأدوار والخدمات، و هكذا أصبحت إسرائيل جزء من السياسة الخارجية لأمريكا خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وقاعدة أمريكية كاملة الأوصاف.
باحث في القانون الدستوري وعلوم السياسة
مراجع:
1 بايدن من تل أبيب: لو لم تكن هناك إسرائيل لعملنا على إقامتها
18/10/2023 https://shorturl.at/a7Q9L

