الجموع العامة لاختيار المرشحين.. أو “درس البيجيدي” الفريد

محمد عصام


شرع حزب العدالة والتنمية في تنظيم جموعه العامة لاختيار مرشحاته ومرشحيه للانتخابات التشريعية المقبلة المزمع إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، في وفاء صريح وكامل الأوصاف للنهج الذي ميَّز حضور الحزب في المشهد السياسي، و”عضه بالنواجذ” على آلية “الديمقراطية” لحسم اختيارات مرشحيه ومرشحاته.

وبذلك يكون الحزب قد دشن مرة أخرى لحظة سياسية، يجب أن لا تمر مرور الكرام، في ظل هذا التصحر الديمقراطي الذي يعاني منه المشهد السياسي الوطني، وتحول لحظة اختيار المرشحين، إلى سوق نخاسة سياسي، تتعطل فيه لغة الديمقراطية بشكل كلي، وتعلو فيه لغة المال والنفوذ والقرابة وأشياء أخرى لا يعلمها إلا الله وحده، ويتم فيه إرسال رسائل خاطئة إلى عموم المواطنين وخصوصا الشباب، حيث إن إفراغ هذه اللحظة من مضمونها الديمقراطي/ السياسي هو في النهاية تنصل فج من مبادئ الكفاءة و الاستحقاق والنزاهة، وتعطيل بسبق الإصرار لدور المؤسسات ووظائفها الدستورية، وإصرار على قتل السياسة وتنمية اللاثقة وإنعاش العزوف.

وحين ينظم حزب العدالة والتنمية جموعه العامة الإقليمية، فإنه يرسل رسالة واضحة لمكونات المشهد السياسي، أن الديمقراطية ليست شعارا ظرفيا يتم إشهاره في لحظات المناكفة السياسية، بل يجب أن تتحول إلى عقيدة حاكمة، وفكرة ناظمة وضابطة للسلوك السياسي لأي فاعل وعلى جميع المستويات،  وأن التبشير بالديمقراطية أو المطالبة بها يجب أولا أن يبدأ من الذات التنظيمية تمثلا وممارسة، ففاقد الشيء كما يقال لا يعطيه، بل من السفه البيِّن أن تُطالب الآخرين بما فيهم الدولة بالديمقراطية وأنت أول من يتنكر لها في تدبير شؤونك الداخلية وحسم استحقاقاتك التنظيمية.

الديمقراطية كل لا يتجزأ، وعقيدة ناظمة لا تقبل الحلول الوسطى أو المنزلة بين المنزلتين، فإما أن تكون ديمقراطيا حتى النخاع مهما كلفك الأمر، أو أنك انتهازي تسترزق بالديمقراطية وتقايض بها المواقع والامتيازات وتتنكر لها في اللحظات الحاسمة التي يذل فيها المرء أو يهان.

و في تنظيم حزب العدالة والتنمية لجموعه العامة الإقليمية، بُعد مؤسساتي لا تخطئه العين، فتنظيم هذه الجموع العامة، هو تنزيل لمسطرة اختيار المرشحين التي صادق عليها برلمان الحزب في دورته العادية فبراير 2026، بمعنى أن أعلى هيئة تقريرية في التنظيم بعد المؤتمر العام هي من حسم في المسطرة، وبالتالي فهي نتاج لقواعد الحزب وانعكاس لتوجهاتهم واختياراتهم، وليست قرارا إداريا “علويا” لسلطة تنفيذية ( الأمانة العامة )، وحتى عندما تم تكليف هذه الأخيرة بتحديد الإجراءات العملية لتنزيل المسطرة، اقتصر الأمر على حسم بعض الشكليات والإجراءات لتنظيم هيئات الترشيح والتزكية وحسم الأجندة الزمنية لتنفيذها في إطار المذكرة التنفيذية.

وحين حسمت المسطرة في كون الجموع الإقليمية هي صاحبة الاختصاص الأصلي في اختيار اللوائح، يكون الحزب قد اختار بشكل إرادي وواع، أن يجعل القرار في يد قواعده الحزبية، وهذه رسالة أخرى في معنى الإيواء إلى “ركن الديمقراطية الشديد”.

المسطرة أيضا ومن باب التبني الكامل للديمقراطية، فتحت الباب للطعون ووضعت لها آجالا لدراستها والبت فيها.

بمعنى أننا أمام منظومة متكاملة تم تطويرها بشكل دائم انطلاقا من الممارسة والتجارب في الانتخابات السابقة، وهي بالتالي منظومة مرنة ومنفتحة على التعديل والترشيد حسب الكسب الذي يتحصل من كل مشاركة أو استحقاق انتخابي.

قد تعلو أصوات هنا وهناك للتشغيب على هذه الصورة البهية التي يجسدها حزب العدالة والتنمية، وهوما شاهدناه في الأيام القليلة الماضية، لكنها أصوات نشاز تحركها أحقاد سياسية، وفي بعض الأحيان عقد نفسية ليس إلا، ذلك أنه من العبث التشغيب على من اختار منهجية شفافة وديمقراطية مهما اختلفنا معه أو توافقنا، وغض النظر عن  ما يعج به المشهد السياسي من قبح ورداءة، وتحول التزكيات الانتخابية إلى أصل تجاري يبيع ويشتري فيه أصحاب المواقع التنظيمية، وإلى سوق يتنافس فيها أصحاب “الشكارة” على من يدفع أكثر، وتغيب فيها الكفاءة والاستحقاق، وتذبح فيها السياسة من الوريد إلى الوريد.

وقد تكون هناك انتقادات من داخل الصف التنظيمي للحزب، لم يسعها ربما ما هو متاح من مساطر الطعون، ولكنها على كل حال ستبقى من باب الشاذ الذي يؤكد القاعدة، وطبعا كل جهد بشري لا بد من أن يعتوره نقص أو عيوب، ولهذا دأب الحزب على مراجعة مساطره كلما سنحت الفرصة بذلك من باب التجويد وتصحيح ما يمكن تصحيحه وأيضا من باب ملائمة تلك المساطر مع المستجدات التشريعية والتنظيمية المتغيرة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.