[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

حامي الدين يقرأ أبعاد ونتائج الحرب على إيران

عبد العلي حامي الدين


 

في سياق متابعتي الشخصية لما يجري منذ أزيد من 33 يوم من حرب عدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تابعت الكثير من تعليقات البعض الذين يملؤون وسائل التواصل الاجتماعي ضجيجا، ويخوضون حربا دعائية ضد الحقيقة الموضوعية خدمة لأغراض التضليل وتشتيت الانتباه وتركيز قيم الضعف والهزيمة لدى الرأي العام المتابع لهذه الحرب المجنونة الفاقدة الشرعية التي شنها التحالف الصهيو- أمريكي ضد إيران لأغراض لا علاقة له بما يتم إعلانه من تصريحات على لسان ترامب-نتنياهو..
ما يهمني في هذه التدوينة هو أن أغلب المراقبين الغربيين يعتبرون أن إيران هي التي تمتلك اليد العليا في هذه الحرب التي خاضتها دفاعا عن سيادتها ضد العدوان الذي تعرضت له، بينما يصر البعض على الادعاء بأن “إيران انتهت” قال أحدهم، بينما اعتبر آخر منذ الأسبوع الأول أن نتائج هذه الحرب “محسومة” عسكريا، وأضاف آخرون بأن سقوط النظام هو نتيجة حتمية لخطأ “7 أكتوبر” …، وادعى آخر أن إيران مدعومة من طرف الغرب منذ اليوم الأول !!..وهلم جرة من تحليلات وشطحات..
شخصيا، لست مهتما بنتائج الحرب إلا من زاوية تأثيرها على النظام الدولي وعلى النظام الإقليمي، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية..
ولكن أستغرب لماذا لا يتساءل أشباه المحللين عن سر استمرار الحرب لمدة 34 يوم دون حسم، ولماذا يستجدي ترامب الساسة الإيرانيين لمفاوضات لازالوا مصرين على عدم خوضها إلا في ظل شروطهم التي باتت معروفة؟
إليك الجواب في هذه الأرقام، وعوض أن تقوم بحرب دعائية نيابة عن نتنياهو، حاول أن تفهم سر الصمود الإيراني وأن تستفز العقل السياسي العربي لمراجعة أولوياته في المرحلة القادمة التي بدأت فيها ملامح تشكل نظام دولي جديد لا مكان فيه للضعفاء.
هنا تبرز تجربة إيران كيف جرى تحويل المختبرات والجامعات إلى رافعة لقدرات تكنولوجية وعسكرية واقتصاد معرفي متماسك.

أولا، التوسع الكمي في التعليم والإنتاج العلمي
ارتفع عدد طلاب الجامعات من نحو 100 ألف عام 1979 إلى أكثر من 4 ملايين طالب حاليًا. وبالتوازي، يبلغ الإنتاج البحثي الإيراني 50–70 ألف مقالة دولية سنويا في قواعد مفهرسة مثل Scopus، مع تحسن الترتيب العالمي من المرتبة 34 (2005) إلى المرتبة 15. كما يجري تخريج نحو 230 ألف مهندس سنويا، مع تركيز مؤسسي على النانو تكنولوجي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقات المتجددة، ووجود أكثر من 10,000 شركة معرفية.

ثانيا، بنية تحتية بحثية وحواضن تقنية
تضم البلاد أكثر من 2,500 جامعة ومؤسسة تعليم عال، وأكثر من 800 مركز بحثي، و36 حديقة علمية وتكنولوجية، ونحو 400 جمعية علمية. وتمثل
Paradis Technology Park
نموذجا لحاضنة تضم مئات الشركات القائمة على المعرفة. وقد أسهم هذا النسق في تحقيق اكتفاء ذاتي دوائي بنسبة 95%.

ثالثا؛ الاستثمار في رأس المال البشري وابتعاث الطلبة إلى الخارج
استندت السياسات التعليمية إلى تقليد مبكر للابتعاث (منذ قانون 1928 الذي أرسل 100 طالب سنويا إلى أوروبا وكندا والصين). حاليا، يوجد أكثر من 110,000 طالب إيراني بالخارج وفق بيانات دول المقصد وإحصاءات UNESCO, في تخصصات دقيقة تشمل النووي والفضاء والذكاء الاصطناعي.

رابعا، ربط البحث العلمي بالتصنيع الدفاعي
بحسب تقديرات Stockholm International Peace Research Institute
يتراوح الإنفاق العسكري بين 10 و17 مليار دولار سنويا. وقد أفضى التركيز على التطوير المحلي إلى:
• ترسانة تتجاوز 3,000 صاروخ باليستي..
• تطوير عائلات مسيّرات منخفضة الكلفة (نحو 20 ألف دولار للوحدة).
• أنظمة دفاع جوي محلية وصواريخ مضادة للسفن.
• إنشاء “مدن صاروخية” تحت الأرض بعمق يصل إلى 500 متر في محافظات متعددة.
• استثمارات كبيرة في الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية، مع تصنيف ضمن أفضل 10 دول عالميا في هذا المجال.
• توظيف أبحاث النانو (حيث تحتل إيران المرتبة الرابعة عالميا في حجم النشر العلمي في هذا التخصص) في مواد أخف وأكثر صلابة وطلاءات ماصّة للرادار.
خامسا، البعد الطاقي واللوجستي
أسهم تشغيل مصفاة خليج فارس في تحويل البلاد من مستورد إلى مُصدّر للبنزين، بما يدعم الصمود الاقتصادي واللوجستي.

والخلاصة
أن هذه الأرقام تكشف عن نموذج ناجح يظهر كيف يمكن لسياسات تعليمية وبحثية ممنهجة، حين تُدمج بسياسات صناعية ودفاعية، أن تُنتج قدرة ذاتية هائلة في ظل بيئة دولية معقدة.
وهذا هو التحدي الذي يفرض نفسه على دول العالم العربي التي حباها الله بكل الخيرات والموارد..
فمتى تستيقظ؟

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.