[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: من يستعمل من؟ (2)

حميد بحكاك، باحث في علم السياسة والقانون الدستوري


3، في الأدوات: اللوبي الموالي لإسرائيل AIPAC
بالإضافة إلى العامل الديني و الجيوسياسي يأتي العامل المؤسساتي، ويتمثل في استثمار القوانين المنظمة لعمل اللوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ توجد لوبيات متعددة النشاط والأهداف، وهذه اللوبيات مقننة ومعترف بها، تنشط داخليا وخارجيا فهناك لوبي الأسلحة داخل أمريكا يدافع عن بيع السلاح وشرائه واستعماله، يسمى “الرابطة الوطنية للبنادق” (NRA)، ولم يجرأ أي رئيس أمريكي أن يمنع بيع السلاح داخل أمريكا وذلك لقوة هذا اللوبي الذي يؤثر في الانتخابات ويقدم مساعدات مالية لكل مرشح لا يعارض بيع السلاح داخل أمريكا، ويتمتع هذا اللوبي بنفوذ كبير خصوصا داخل الحزب الجمهوري، كما أن هناك اللوبي الموالي لإسرائيل ويدافع عن مصالح إسرائيل داخل أمريكا وتمتين العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، وله تأثير على الحزبين الديمقراطي والجمهوري،لدرجة أن هذين الحزبين رغم الاختلافات السياسية والأيديولوجية فإنهما مجمعان على حق إسرائيل في الوجود، كما يجمعان بأن لها الحق في الدفاع عن نفسها وضرورة حمايتها، و أحداث غزة التي بدأت في عهد الرئيس بايدن الديمقراطي استمرت في عهد ترامب الجمهوري، وكلاهما يتباها بالدفاع عن إسرائيل وتقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لها.
والمؤسسة التي تشرف على الدفاع عن مصالح إسرائيل والعلاقة الأمريكية معها، تأسست في الخمسينات من القرن الماضي تحت اسم “المجلس الصهيوني الأمريكي” سنة 1950،ثم سميت بـــ”اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الصهيونية”، وفي سنة 1963 تحولت إلى أيباك (اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية)،َAIPAC (l’Américane Israéli Political Action Committee,) وهناك جماعات يهودية أخرى تدافع عن إسرائيل ومناهضة “معاداة السامية” وتعزيز الروابط بين إسرائيل والولايات المتحدة، وفي الجانب الآخر هناك يهود أمريكيين يعارضون إسرائيل منهم مثقفين وفنانين واكاديميين ( نعوم تشو مسكي، نورمان فلكنشتاين…) وأعضاء في الحزب الديمقراطي يعارضون سياستها ( كالنائب اليهودي بيرني ساندر في مجلس النواب…) وهناك رجال دين يعتبرون نشأة إسرائيل خطيئة كبرى تتنافى مع الديانة اليهودية، كحركة “ناطوري كارتا” المناهضة للصهيونية وضد قيام دولة إسرائيل، إلا أن اللوبي الموالي لإسرائيل أقوى تأثيرا على مستوى صناعة القرار الأمريكي الإسرائيلي السياسي والإعلامي.

وتشتغل منظمة الإيباكAIPAC من خلال أسلوب الضغط والتمويل، تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين شريطة الدفاع عن مصالح إسرائيل، وسن قوانين مؤيدة لإسرائيل والتصويت ضد القوانين التي تعارض إسرائيل، كما تنظَم الإيباكبشكل منتظم رحلات إلى إسرائيل لأعضاء الكونغرس الأمريكي لتمكينهم من لقاء نظرائهم الإسرائيليين ولإعطائهم صورة معينة عن إسرائيل.والايباك من خلال دعمها المالي للحملات الانتخابية تقوم بفلترة والتأثير في اختيار المرشحين منذ انطلاق الانتخابات التمهيدية لاختيار المرشحين المؤيدين لإسرائيل وسياستها كما حدث في الانتخابات التمهيدية لسنة 2024.
ولا يقتصر عمل اللوبي الصهيوني على المؤسسة التشريعية بمجلسيها وإنما يمتد إلى الأوساط الإعلامية والمالية والأكاديمية والثقافية والفنية والسينمائية(هوليود)، والان في مجال التكنولوجية العسكرية والأمنية والاستخباراتية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وهذا اللوبي له سطوة إعلامية قوية في مواجهة من ينتقدون إسرائيل، من خلال التشهير والتشويه الإعلامي وأحيانا المتابعات القضائية بذريعة معاداة السامية. كما حدث لعالمي السياسة جون ج. ميرشايمر من جامعة شيكاغو، وستيفن م. والت عميد كلية جون ف كنيدي اللذان أصدرا دراسة تحت عنوان “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية”هذه الدراسة أعقبتها تهديدات لجامعة هارفرد بوقف التبرعات لها إذا لم تتخذ إجراءات تأديبية بحق مؤلفيَْ الدراسة. وأمام هذه التهديدات أزالت جامعة هارفرد اسمها وشعارها عن الدراسة، وبعد مدة قصيرة اضطر ستيفن والت إلى تقديم استقالته من منصبه2. وكذلك حدث في ملاحقة الطلاب المتظاهرين في الجامعات الأمريكية، ومساءلة الأساتذة المتضامنين مع الشعب الفلسطيني في غزة أثناء الإبادة الجماعية في غزة.

4، الإبادة الجماعية في غزة والعلاقة الأمريكية الإسرائيلية
بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 التي قادتها المقاومة الفلسطينية حماس والجهاد وما تبعها من عدوان إسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين تحول إلى إبادة جماعية في غزة والضفة الغربية، كشفت هذه الأحداث على عمق العلاقة بين أمريكا وإسرائيل من خلال الدعم العسكري الميداني، ومن خلال معارضة قرارات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في غزةباستعمال حق الفيتو الأمريكي، ومعارضة الاعتراف بدولة فلسطينية ومعاقبة قضاة المحكمة الجنائية الدولية لإصدارها مذكرة اعتقال في حق مجرمي الحرب النتن ياهو وغالانت، وخلال سنتي الإبادة الجماعية تعاقب على البيتالأبيض كل من الحزب الديمقراطي بقيادة جو بايدن والحزب الجمهوري بقيادة دونالد ترامب الذي يفتخر أنه قدم لإسرائيل مالم يقدمه أي رئيس أمريكي آخر في السابق واللاحق.
إلا أن المظاهرات الشعبية في الشارع الأمريكي والمظاهرات الطلابية في أرقى الجامعات الأمريكية،و المنددة بجرائم إسرائيل في فلسطين وغزة والدعم المقدم لها، مما عرض كثير من الطلاب والأساتذة إلى ملاحقات أمنية وحملة إعلامية من طرف الإعلام الموالي لإسرائيل، هذه المظاهرات أثرت في الرأي العام الأمريكي أو جزء كبير منه وامتد إلى القاعدة الشبابية للحزب الديمقراطي، وبدأ هناك تململفي موقف التأييد المطلق لإسرائيل، فقد صرح دونالد ترامب أثناء خلال حفل «عيد الأنوار اليهودي – الحانوكا» بالبيت الأبيض: «كان والدي يقول لي إن أقوى لوبي في هذا البلد هو اللوبي اليهودي. إنه اللوبى الإسرائيلي. لم يعد الأمر كذلك»، متهما الكونجرس بأنه أصبح «معادياً للسامية».3
كما أن دعم ترامب لإسرائيل أثار استياء داخلالقاعدة السياسية الواسعة التي يقودها ترام، والمعروفة بتيار “أميركا أولا” أو حركة “فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” (ماغاMakeAmerica Great AgainMAGA )، حولها ترامب إلى “إسرائيل أولا”MIGA، إذ يعترف أنه أكثر الرؤساء الأميركيين خدمة لإسرائيل.
ثم جاء انتخاب عمدة نيويورك زهران ممداني وتصريحاته الغير المسبوقة فيما يخص غزة وفلسطين، وأصبح هناك حديث عن كلفة دعم أمريكا إسرائيل يتم على حساب دافعي الضرائب الأمريكيين، وبالتالي أصبحت العلاقة بين أمريكا وإسرائيل موضوع مفتوحوأعيد طرحها على بساط البحث والنقاش والتقييم، كما أصبحت سياستها محط انتقاد فقد أثارت تصريحات الإعلامي الأميركي الشهير تاكر كارلسون موجة من الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، عندما شن هجوماً غير مسبوق على دولة الاحتلال الاسرائيلي، حيث قال كارلسون، في إحدى حلقاته : “لا يوجد شيء اسمه شعب الله المختار… هذه هرطقة، إن الله لا يختار شعباً يقتل النساء والأطفال”.4
كما أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية قد تتخللها بعض محطات التوتر والخلاف، إلا أن عمق هذه العلاقة وتجذرها يتجاوز هذه الخلافات، كما حدث مع واقعة الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد الذي تجسس لصالح إسرائيل، حيث نقل آلاف الوثائق السرية الأمريكية الحساسة إليها أثناء عمله في البحرية الأمريكية في الثمانينيات، أُلقي القبض عليه سنة 1985، ليحُكم عليه بالسجن المؤبد سنة 1987، ثم أُطلق سراحه عام 2015 بعد ضغوط إسرائيلية، وانتقل إلى إسرائيل في 2020. 5
5، العدوان الثنائي الأمريكي الإسرائيلي على إيران
في هذه الحرب العدوانية الثنائية على إيران للمرة الثانية (العدوان الأول دام اثنتا عشر يوما، يونيو 2025) في ظرف أقل من سنة ولا زالت مستمرة إلى حد الآن، هذه الحرب ظهرت كما لو كانت حربا إسرائيلية بحماية أمريكية، والأهداف المعلنة هي وقف أو تدمير البرنامج النووي الإيراني والقدرة الصاروخية، ثم إسقاط النظام من خلال قطع رأسه باغتيال المرشد الإيراني وقيادات الصف الأول، ودفع الشعب إلى الشارع لإكمال المهمة، إلا أن أي من هذه الأهداف لم يتحقق لحد الآن، مما جعلها تتحول من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف ممتدة وبلا أفق سياسي واضح، ومع تمدد تفاعلات هذا العدوان على المستوى العالمي اقتصاديا وعسكريا، حيث تأثرت سلاسل إمداد الطاقة، وتحول مضيق هرمز إلى بؤرة توتر عالميا، امتد إلى البورصات العالمية وأثمان البترول سجلت ارتفاعا، ووصل لهيبها إلى جيب المواطن الأمريكي، مما فجر النقاش داخل أمريكا حول جدوى هذه الحرب ولحساب من تتم، وانطلقت المظاهرات في عدة ولايات أمريكية، وأعيد طرح موضوع “العلاقة الأمريكية الإسرائيلية” إلى الطاولة، وعلاقتها بشعار ترامب الانتخابي “أمريكا أولا”، وهل إسرائيل تريد توريط أمريكا في هذه الحرب، وهو ما أصبح يتردد داخل أروقة صنع القرار في أمريكا، ودفعت المسؤول الأعلى لمكافحة الإرهاب في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،جو كينت، إلى الاستقالة بسبب الحرب ضد إيران واعتبارها حربا إسرائيلية وليست أمريكية لأن إيران لا تمثل تهديدا وشيكا لأمريكا كما جاء في رسالة الاستقالة. ولهذا اعتبرت هذه الحرب حرب إسرائيل، وسميت داخل مواقع التواصل الاجتماعي في أمريكا ب “حرب إبستين” نسبة إلى فضيحة جيفري إبستين صاحب الجزيرة التي اقترف فيها جرائم الجنس ضد الأطفال وغيرها من الفظائع، وتورط فيها حسب التسريبات والصور جزء من النخبة السياسية الأمريكية، مما دفع الكثيرين إلى التساؤل، هل استعملت الموساد (بحكم الارتباط المفترض لجيفري إبستين مع الموساد) هذه الملفات السرية كوسيلة ضغط على ترامب للحرب ضد إيران، أو أن إشعال هذه الحرب جاء للتغطية على هذه الفضائح، تبقى التحقيقات النزيهة والشفافة هي الكفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات.
والمتأمل في هذه الحرب العدوانية ضد إيران وفي إطار العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، هي حرب واحدة بأهداف مختلفة بعض الشيء، فأمريكا مهتمة بنفط إيران أكثر لأنه يذهب إلى الصين وروسيا، وما فعله ترامب في فينزويلا يريد تكراره في إيران، هو حرمان الصين من هذا المورد الاقتصادي الاستراتيجي في إطار مواجهته مع الصين كأولوية وتهديد للأمن القومي الاستراتيجي الأمريكي، و امتداد للحرب التجارية التي بدأها ترامب، وبالنسبة لإسرائيل فهدفها إقليمي هو ضرب إيران كقوة إقليمية منافسة ومهددة لمشروعها الصهيوني التوسعي، فبعد إضعاف العراق وتفكيكه إلى دولة طائفية و نظام المحاصصة، وتحييد مصر في إطار اتفاقية كامب ديفيد، وتحييد سوريا أو احتوائها، جاء الدور على إيران وأدرعها في لبنان واليمن والعراق، بحكم الانتماء الطائفي الشيعي. ليبقى الشرق الأوسط تحت الهيمنة الإسرائيلية في إطار إسرائيل الكبرى التوراتية وتحت الحماية الأمريكية والدعم الأمريكي اللامحدود.
الخلاصة: إن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، علاقة مركبة ومعقدة تطورت مع تطور نفوذ اللوبي الموالي إسرائيل في أمريكا، والحاجة الأمريكية لحليف قوي يوثق به في منطقة الشرق الأوسط، ورهينة بالمساعدة الأمريكية، ويبقى مستقبل هذه العلاقة رهين بأهمية المصالح الأمريكية الاستراتيجية وبتطور المجتمع الأمريكي ووعيه بأهمية وعواقب هذه العلاقة، والقاعدة الحزبية والانتخابية لكلا الحزبين والتحولات الجارية على مستوى الأجيال داخل كل من الحزب الديمقراطي والجمهوري وداخل الجالية اليهودية المؤيدة لإسرائيل في أمريكا والمعارضة لها على السواء.

مراجع:
2 وثيقة خاصة:اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 17، العدد 66 (ربيع 2006)، ص 190.
3 إسراء جمال: “ترامب: اللوبى اليهودى الذى كان الأقوى فى أمريكا لم يعد كذلك” 17-12-2025 https://www.almasryalyoum.com/news/details/4153616
4 تصريحات صادمة من تاكر كارلسون تهز أميركا وإسرائيل
الخميس, 2 أكتوبر 2025 https://tinyurl.com/2anp8abc
5 جوناثان بولارد.. 30 عاما سجنا من أجل إسرائيل
https://tinyurl.com/22v2p9ux

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.