حامي الدين: التنسيق المغربي المصري ركيزة لإعادة التوازن العربي والإقليمي

قال عبد العلي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المصرية المغربية في القاهرة، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ونظيره المغربي عزيز أخنوش جاء في توقيت سياسي واستراتيجي دقيق ويكتسب أهمية مؤسساتية واستراتيجية في آن واحد.
دلالات الانعقاد
وأوضح حامي الدين في تصريح لموقع “الدستور” المصري، أنه من حيث التوقيت، ينعقد لقاء القاهرة في سياق إقليمي يتسم باضطراب غير مسبوق في الشرق الأوسط، وتصاعد التوترات الجيوسياسية الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل.
كما يكتسب لقاء القاهرة بين رئيسي حكومة المغرب ومصر وانعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة يضيف المتحدث ذاته، بُعدًا يتجاوز الثنائية التقليدية نحو أفق عربي استراتيجي يعيد التفكير في معنى العمل العربي المشترك من زاوية “التكامل الوظيفي” بين الدول العربية المحورية.
وأوضح حامي الدين، أنه من الناحية المؤسساتية، فيمثل انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة انتقال العلاقات من منطق اللقاءات الدبلوماسية الظرفية إلى منطق آلية دائمة للتنسيق والتنفيذ والتقييم، وهو ما يؤسس بحسبه لمرحلة جديدة قوامها الاستمرارية والنجاعة في تنزيل الاتفاقيات.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن هذا اللقاء بحسب حامي الدين، يأتي في ظرف إقليمي يتسم باهتزاز منظومة الأمن الإقليمي العربي وتصاعد التدخلات غير العربية في شؤون المنطقة والحاجة إلى أقطاب عربية مستقرة تقود مبادرات التهدئة والتنمية.
وتابع “هنا يبرز المغرب ومصر كدولتين تمثلان ركيزتين جغرافيتين: المغرب في الواجهة الأطلسية والإفريقية، ومصر في قلب المشرق والبحر الأحمر والمتوسط. ومن ثم فإن التنسيق بينهما يحمل إمكانية تشكيل محور عربي عقلاني معتدل يوازن الاضطراب السائد”.
وأوضح أن الوثائق ومذكرات التفاهم الموقعة خلال لقاء القاهرة تمحورت حول رفع حجم التبادل التجاري وتسهيل النفاذ إلى الأسواق، وتدفق الاستثمارات في الاتجاهين وإقامة شراكات صناعية مشتركة، بالإضافة إلى التعاون في مجالات الثقافة والشباب والتنسيق في مجالات التجهيز والماء والفلاحة وتعزيز آليات الاستثمار والتقائية السياسات العمومية، مبرزا أن هذه الاتفاقيات لم تقتصر على التعاون الكلاسيكي، بل استهدفت بناء سلاسل قيمة صناعية وتجارية مشتركة، وهو ما يعكس توجها نحو التكامل الاقتصادي وليس مجرد التبادل.
حل أزمات المنطقة
وشدد أن التنسيق المغربي المصري يمكن أن يسهم في حل أزمات المنطقة عبر ثلاث مستويات: المستوى السياسي–الدبلوماسي، وذلك بتوحيد الرؤى حول الحلول الواقعية للنزاعات، ودعم المسارات الأممية بدل عسكرة الصراعات.
وبخصوص المستوى الأمني– الاستراتيجي، فقد أبرز ذلك من خلال الربط بين فضاء البحر الأحمر والمتوسط والأطلسي، بما يعزز الأمن البحري العربي ويحد من الفراغات الاستراتيجية التي تستغلها قوى غير عربية.
وعلى المستوى التنموي، فإن التعاون سيقوم على تقديم نموذج عربي ناجح في التعاون جنوب–جنوب، يربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، ويخفف من الضغوط الاقتصادية التي تغذي عدم الاستقرار في الإقليم. وبهذا المعنى، لا يصبح التنسيق ثنائيا فحسب، بل رافعة لإعادة هندسة التوازن العربي في لحظة إقليمية حرجة، ولم لا خطوة نحو تفعيل اتحاد المغرب العربي الكبير، يقول حامي الدين.
وأضاف أنه استنادًا إلى مؤهلات البلدين، يمكن تحديد مجالات ذات أولوية استراتيجية مثل الصناعة والتحويل الصناعي (خاصة الصناعات الغذائية والدوائية)، والموانئ واللوجستيك والربط البحري بين المتوسط والأطلسي، والأمن الغذائي والفلاحة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، والاستثمار والبنية التحتية، والثقافة والقوة الناعمة وتعزيز الحضور العربي في إفريقيا، ومجال الطاقة، والربط الإفريقي في ضوء المبادرات المغربية الأطلسية واهتمام مصر بشرق المتوسط والبحر الأحمر، وهذه المجالات جميعها يقول المتحدث ذاته، تجعل من الشراكة المغربية المصرية نواة محتملة لتكامل عربي–إفريقي.
دعم الوحدة الترابية
ومن جانب آخر، شدد حامي الدين أن الموقف المصري الداعم للوحدة الترابية للمغرب وتأييد مبادرة الحكم الذاتي يحمل دلالات سياسية عميقة، أبرزها تأكيد الموقف المصري الداعم للسيادة المغربية على صحرائه، وتأكيد انحياز مصر للحلول الواقعية التي ترعاها الأمم المتحدة وانسجام الرؤية المصرية مع التحول الأممي الذي جسده قرار مجلس الأمن رقم 2797، بالإضافة إلى انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى التنسيق في القضايا السيادية والاستراتيجية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.