الترشيح قبل الترشح.. دفاع عن روح الفكرة لا عن شكلها

حسن حمورو


قد لا يبدو توقيت إثارة النقاش حول الترشح والترشيح ملائما، في خضم دينامية الجموع العامة التي يعيش حزب العدالة والتنمية على ايقاعها هذه الفترة، لكن إعادة طرح السؤال كما قام بذلك موقع PJD. MA، من خلال نشر مقال “الترشيح والترشح وأشياء أخرى: نحو استيقان الغاية واستبانة السبيل”، لا يخلو من فائدة، لأنه يعيدنا إلى مستوى أعمق من التداول، وهو مستوى المعنى الذي يؤطر الفعل الحزبي لدى حزب العدالة والتنمية، لا مجرد شكله الإجرائي.
ذلك أن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بترتيب أو ترجيح بين مسطرتين، بل بسؤال تأسيسي يتعلقبالأصل في المسؤوليات داخل حزب العدالة والتنمية،وما إذا كان هو المبادرة الفردية، التي تعبّر عن نفسها عبر الترشح، أم التقدير الجماعي الذي يتجسد في الترشيح؟ وبعبارة أخرى، هل ينبني الفعل الحزبي على منطق “طلب الموقع” أم على منطق “إسناد المسؤولية”؟
قد يظهر الترشح، للوهلة الأولى، امتدادا طبيعيا لحق الفرد في المشاركة، بل قد يُقدَّم بوصفه ذروة الممارسة الديمقراطية، غير أن هذا التصور، حين يُفكك في ضوء التجربة، يكشف عن حدود دقيقة، إذ سرعان ما يتحول من تعبير مشروع عن الإرادة، إلى آلية تُغري بإعادة إنتاج منطق الاستحقاق الذاتي، حيث يصبح الموقع غاية في ذاته، لا أداة ووسيلة لخدمة مشروع جماعي.
في المقابل، لا يشتغل الترشيح باعتباره إجراء تنظيميا محايدا، بل كاختيار قيمي يضع الفرد داخل أفق الجماعة، فهو لا ينفي الكفاءة الفردية، بل يعيد تعريفها ضمن معيار الثقة الجماعية، ويجعل من التنظيم فاعلا في تقدير الاستحقاق، لا مجرد إطار لتجميع الطموحات، وهنا تتحول المسؤولية، من موضوع رغبة إلى موضوع تكليف، ومن مطلب شخصي إلى تعاقد جماعي.
ولعل استحضار التجارب السياسية والتنظيمية، في السياق الوطني وغيره، يكشف بوضوح أن فتح باب الترشح، دون ضوابط صارمة، لا يؤدي بالضرورة إلى توسيع الديمقراطية الداخلية، بل قد يفضي مفارقة إلى إضعافها، إذ تتسرب آنذاك اعتبارات المال والنفوذ والعلاقات، لتعيد تشكيل الخريطة التمثيلية على أسس غير مرئية، لكنها شديدة التأثير.
وفي هذا السياق تحديدا، يصبح الترشيح آلية للضبط، لا من حيث تقييد الحرية، بل من حيث صون شروط نزاهتها.
ثم إن الرهان في العمق ليس تنظيميا فحسب، بل تربوي كذلك، فالترشيح يعكس تصورا للسياسة باعتبارها التزاما أخلاقيا، لا مجرد تنافس على المواقع، وهو بهذا المعنى، يحدّ من ثقافة التهافت، ويؤسس لقيم التواضع والانضباط، حيث لا تكون المبادرة بطلب المسؤولية فضيلة في ذاتها، بل قد تثير أسئلة حول دوافعها وسياقها.
أما الديمقراطية الداخلية، فلا يمكن اختزالها في تمكين الأفراد من الترشح، بل تتجلى أساسا في تمكين الجماعة من الاختيار.
إن نقل الغاية ومركز الثقل، من حق الفرد في العرض إلى حق الجماعة في الانتقاء، يعيد ترتيب العلاقة بين المناضل والتنظيم، ويمنح الهيئات التقريرية والاستشارية، دورها الحقيقي، لا كغرفة تسجيل، بل كفضاء لإنتاج الشرعية، وهو ما يُحمّل هذه الهيآت مسؤولية التجرد واستبعاد المواقف الشخصية، والحرص على وضوح معايير الإسناد، وانسجامها مع الوثائق المرجعية، واستحقاقات المرحلة كما تحددها هيآت الحزب المعنية.
وليس الدفاع عن الترشيح، في هذا الأفق، دعوة إلى إقصاء الإرادة الفردية، أو مصادرة حق التعبير عن الاستعداد، وإنما هو سعي إلى إدماج هذا التعبير ضمن سيرورة مؤسساتية تُخضعه لمعيار التزكية الجماعية، وفق ضوابط مسطرية، فليس كل من رغب في المسؤولية مؤهل لها، كما أن عدم السعي إليها لا ينفي الجدارة بها.
لقد بينت تجارب حزبية متعددة أن التوازن بين الانفتاح والانضباط، لا يتحقق إلا حين يُجعل الترشيح أصلا، ويُستوعب الترشح كمعطى مساعد، لا كمنطق مؤسس، وبهذا فقط يمكن حماية التنظيم من التحول إلى ساحة تنافس فردي مفتوح، بما يحمله ذلك من مخاطر التفكك وفقدان البوصلة.
بكلمة، نحن أمام اختيار بين تصورين للسياسة، تصور يجعلها مجالا لتدافع الإرادات الفردية حول المواقع، وآخر يجعلها بناءا جماعيا تُسند فيه المسؤوليات وفق منطق الثقة والاستحقاق المشترك، وبين هذين التصورين، يبدو الترشيح أقرب إلى روح العمل الحزبي الرصين، لأنه لا يكتفي بتنظيم الوصول إلى المسؤولية، بل يؤسس لمعناها، ويؤسس كذلك لدعم الحزب لتحقيق الأثر المرجو منها.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.