سعاد بولعيش
ظاهرة التسويق السياسي في غياب العمق لم تعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحوّلت إلى سمة بنيوية في المشهد العام، حيث أصبح الفعل السياسي، في كثير من الأحيان، أقرب إلى عرضٍ إعلامي منه إلى ممارسة نضالية مسؤولة.
إن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد تواصل ولا سباق نحو الظهور، بل هي قبل ذلك التزام فكري، وتراكم نضالي، ورؤية واضحة المعالم. غير أن ما نلاحظه اليوم هو تراجع هذا البعد العميق لصالح منطق السرعة، والصورة، والتأثير اللحظي. فبدل أن يُبنى الفاعل السياسي داخل فضاءات النقاش والتأطير والتجربة الميدانية، صار يُصنع أحيانًا داخل غرف التواصل، ويُقدَّم للرأي العام عبر حملات مدروسة الشكل، ضعيفة المضمون.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في الوسائل، بل يكشف عن فراغ مقلق في العمق السياسي والنضالي. فالنضال، الذي كان مدرسة لتكوين القيادات وصقل المواقف، تراجع حضوره، ومعه تراجعت القدرة على إنتاج أفكار جادة ومشاريع مجتمعية متماسكة. وحين يغيب هذا العمق، يصبح الخطاب هشًا، سريع التبدل، وخاضعًا لمنطق التسويق بدل منطق القناعة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الإشكال في إدانة أدوات التواصل الحديثة، فهي ضرورية في زمن الانفتاح الرقمي. لكن الخلل يكمن في اختلال التوازن: حين يصبح التسويق بديلاً عن الفكرة، والصورة بديلاً عن المشروع، والشعار بديلاً عن البرنامج. هنا تفقد السياسة معناها، وتتحول إلى ممارسة شكلية لا تُنتج أثرًا حقيقيًا في حياة المواطنين.
إن استعادة الثقة في العمل السياسي تمرّ حتمًا عبر إعادة الاعتبار للعمق: عمق في التحليل، في التأطير، في النضال، وفي الصدق مع المواطن. فالتواصل الفعّال يظل أداة، لكنه لا يمكن أن يعوّض غياب المضمون. والسياسة التي لا تُبنى على رؤية، ولا تستند إلى رصيد نضالي، تظل عرضة للتآكل مهما بلغت قوة تسويقها.
الخلاصة: المطلوب اليوم ليس رفض التسويق السياسي، بل تأطيره داخل مشروع سياسي حقيقي. تواصلٌ ذكي يخدم فكرة، لا يخفي فراغها. لأن السياسة، في النهاية، ليست ما يُقال، بل ما يُبنى ويُنجز على أرض الواقع.
