حسن حمورو
في لحظات تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأزمات، وتتداخل فيه القضايا حتى تكاد تُنسي بعضها بعضا، لابد أن تظل القضية الفلسطينية ثابتة في موقعها بوصلة للصراع، ومحورا لقضايا الأمة، وعنوانا للحق الذي لا يسقط بالتقادم، ولا يُمحى بضجيج الوقائع المتلاحقة.
ورغم كل ما يُقال عن اتفاقات وتهدئات وخطط إعادة إعمار، فإن الواقع على الأرض في غزة وباقي فلسطين، يروي قصة أخرى، قصة حصار لم يُرفع، وعدوان لم يتوقف، ودم ما يزال يُسفك، حيث ما يزال القصف يحصد الأرواح، وما تزال آلة الاحتلال تشتغل بمنطق القوة الغاشمة، غير عابئة بقانون دولي ولا بمواثيق إنسانية، وهذا وحده كافٍ ليدق ناقوس الخطر، ويعلن بشكل واضح أن النسيان هنا ليس مجرد خطأ ازاء فلسطين، بل تواطؤ غير مقصود مع استمرار المأساة.
إن ما تعرضت له غزة ليس حدثا عابرا في التاريخ، وفي سجل الصراع، بل جرح عميق في ضمير الإنسانية، وإبادة يجب أن تُستحضر في الوعي الجماعي للأمة، غير أن استحضارها لا ينبغي أن يكون من منطلق الحقد الأعمى، بل من منطلق الوعي الراشد الذي يرسخ حقيقة أن فلسطين أرض شعب مظلوم، وأن ما يمارسه الكيان الصهيوني هو تعبير عن وحشية مرفوضة، وأن الدعم الغربي لهذا لإسرائيل ليس طبيعيا، بل تحكمه مصالح وأطماع لا تنتهي.
إن مسؤولية الذاكرة هنا لا تقل أهمية عن مسؤولية الفعل، لذلك يجب توريث الحقيقة للأجيال الحالية والقادمة، لا لتغذية الكراهية، بل لبناء وعي تاريخي عادل، يحصّنها من التزييف، ويمنحها القدرة على التمييز بين الحق والباطل في عالم تختلط فيه السرديات.
وتبقى كل أشكال الدعم المشروعة للقضية الفلسطينية ذات قيمة كبرى، سواء الوقفات او المسيرات، أو الحملات الإعلامية، والأنشطة التوعوية، فهي ليست مجرد تعبيرات رمزية، وإنما أدوات لإبقاء القضية حية في الوجدان، وللتأكيد على أن الأمة لم تتخلّ عن حقها، ولم تفقد إحساسها بالمسؤولية تجاه غزة والقدس والمسجد الأقصى.
إن المعركة في جوهرها ليست فقط معركة أرض، بل معركة قيم ونموذج حضاري، وبينما يقدَّم للعالم نموذج غربي قائم على القوة والتغول ومخالفة الفطرة الإنسانية، تملك الأمة رصيدا حضاريا مستندا إلى الإسلام والقرآن، يقوم على العدل والرحمة وكرامة الإنسان، وهذا النموذج ليس فقط دفاعا عن الذات، بل هو مشروع إنقاذ للبشرية من الانزلاق نحو مزيد من الوحشية.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو التراخي، أو الاعتياد على المأساة، أو القبول الضمني باستمرارها، فالقضية الفلسطينية ليست خبرا في نشرة، بل امتحان مستمر للضمير، ومعيارا حقيقيا لصدق الانتماء إلى قيم الحق والعدل.
وما دامت فلسطين تنادي، فإن واجب الذاكرة والفعل يجب أن يظل قائما، لا يزاحمه حدث، ولا يلغيه زمن.
