سعاد بولعيش
لم يعد الحديث عن التزكيات داخل الأحزاب السياسية مجرد نقاش تنظيمي داخلي، بل أصبح عنوانًا بارزًا لأزمة أعمق تضرب جوهر الممارسة الديمقراطية. فبدل أن تكون التزكية آلية لاختيار النخب القادرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم، تحوّلت في حالات متعددة إلى فضاء مفتوح لتقاطع المال والنفوذ والحسابات الانتخابية الضيقة.
إن ما يروج في عدد من الدوائر الانتخابية يعطي الانطباع بأننا أمام “سوق سياسية” غير معلنة، حيث تُقاس قيمة المرشح بقدرته على التعبئة المالية أكثر مما تُقاس بكفاءته أو رصيده النضالي. وهنا، لم تعد بعض الأحزاب فاعلًا مؤطرًا بقدر ما أصبحت، في نظر جزء من الرأي العام، مجرد بوابة للعبور نحو المؤسسات.
هذه التحولات لا يمكن فصلها عن عدة عوامل بنيوية، في مقدمتها ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، وضعف التأطير الحزبي، وتراجع الثقة في العمل السياسي. كما أن غياب الشفافية الكافية في بعض مساطر التزكية يفتح الباب أمام التأويلات، بل وأمام ممارسات تسيء إلى صورة السياسة برمتها.
غير أن الأخطر من ذلك، هو الأثر العميق لهذه الظاهرة على جوهر التمثيلية الديمقراطية. فعندما يصبح الوصول إلى التزكية رهينًا بإمكانيات مادية أو علاقات ظرفية، فإننا نكون بصدد إعادة تشكيل النخبة السياسية على أسس لا علاقة لها بالكفاءة أو المشروع المجتمعي. وهو ما ينعكس لاحقًا على جودة النقاش العمومي، وعلى قدرة المؤسسات المنتخبة على أداء أدوارها الدستورية.
إن الدفاع عن مصداقية العملية السياسية اليوم يمر، بالضرورة، عبر إعادة الاعتبار لمفهوم التزكية كاختيار مسؤول، مبني على معايير واضحة وشفافة. كما يتطلب الأمر إرادة حقيقية لإعادة بناء الثقة، سواء داخل الأحزاب أو بينها وبين المواطنين.
السياسة ليست مجالًا للاستثمار السريع، ولا طريقًا مختصرًا نحو النفوذ، بل هي التزام ومسؤولية. وأي انحراف عن هذا المعنى، مهما بدا ظرفيًا، يحمل في طياته مخاطر حقيقية على المستقبل الديمقراطي للبلاد.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي دون إصلاح مدخلاته. والتزكيات، باعتبارها البوابة الأولى للتمثيل، تظل الاختبار الحقيقي لمدى جدية أي حزب في الانحياز للمجتمع بدل الانحياز للحسابات الضيقة.
