سمير شوقي رئيس مركز التفكير أوميغا
خلال الحوار الذي أجرته وزيرة المالية ناديا فتاح مع موقع “العمق”، تطرقت الوزيرة لعدة محاور هامة من موقعها الرسمي المدافع عن الحصيلة الحكومية. وهنا أناقشها مباشرة من خلال سبعة مفاتيح بالحجة المضادة و الأرقام. للإشارة السيدة فتاح التي أعرفها شخصياً مدة عشرين سنة تحسنت بشكل كبير من حيث لغتها العربية و أسلوبها السَلِسْ، لكن في الجوهر خيبت ظني صراحةً. و للنقاش سأضع عنواناً للمحور و تدخل الوزيرة و أعقبه بنقاشي حوله.
1- شبهة تفاهم شركات المحروقات حول الأسعار :
“ارتفاع أسعار المحروقات لم يطبق بسرعة على المغاربة، تم إن وزارتي المالية و الداخلية لديهما لجنة مراقبة الأسعار تراقب من خلالها الأسعار المطبقة في محطات البنزين”
– أُذَكِرْ الوزيرة أن الحرب انطلقت يوم 28 فبراير و بعد يومين أخدت الأسعار في الإرتفاع تدريجياً من 77 دولار يوم فاتح مارس ل 90 دولار يوم 10 مارس تم 100 دولار يوم 15 مارس. وفي 16 مارس تم تطبيق زيادة بالمغرب قدرها 20% (من 10,2 الى 12,2). ماذا يعني هذا؟ ببساطة موزعوا المحروقات تصرفوا وكأن لا مخزون لديهم بينما القانون يلزمهم بالتوفر على مخزون استراتيجي لمدة استهلاك 60 يوماً و هو الشرط التعاقدي الذي لا تحترمه أي شركة بشهادة وزيرة الطاقة ليلى بنعلي التي أقرت بوجود مخزون أقل من ذلك بكثير (بين 30 يوم و 55 يوم حسب نوعية المادة). و تكرس هذا الأمر بزيادة أخرى يوم فاتح أبريل بدرهم و نصف و أخرى يوم 16 أبريل بدرهمٍ ليصل السعر 15,5 درهم (+50%)، و هذا معناه غياب كلي لأي تفاعل بين تقلبات الأسعار في الأسواق العالمية و بين استعمال المخزون الإستراتيجي مؤقتاً للحفاظ على القدرة الشرائية، فيما تبقى مسألة مراقبة الأسعار مجرد كلمات بدون معنى.
2- إشكالية رفع الدعم عن المحروقات :
“إن قرار رفع الدعم عن المحروقات كان قراراً لابد منه و لو لم يتم لربما عجزنا اليوم عن تنزيل الدولة الإجتماعية، و إن كان ذلك يتطلب إرفاقها بميكنزمات المتابعة و المراقبة”.
– طيب، اقتصادياً و موازناتياً لا يمكن الجدال في ضرورة رفع الدعم عن المحروقات و الذي كان قبل سنة 2016 يبلغ 45 مليار درهم تذهب مباشرة لجيوب شركات المحروقات دون تدقيق. لكن لماذا يُذَكِرْ رئيس الحكومة بذلك بتلميح أنه خطأ حكومات سابقة؟ هل هي إشكالية تجانس حكومي بين خطاب واقعي(وزارة المالية) و خطاب شعبوي (رئيس الحكومة)؟ الواقع أنه لولا رفع الدعم عن المحروقات لبلغ حجم صندوق المقاصة اليوم 120 مليار درهم مقابل 57 مليار درهم سنة 2015 و لما استطاعت الحكومة أن تقفل ميزانيتها، و هذا مايعترف به “وزيري” المالية و يَصُمُ رئيس الحكومة آذانه عنه.
تم ما الذي منعكم منذ حوالي خمس سنوات من تنزيل آليات المراقبة و كل السلطات التنفيذية بأيديكم؟ حقيقةً لا أفهم كيف تقولين أن تسقيف الأسعار و خفض الضريبة عن المحروقات إجراءات غير ناجعة مع أن عدة دول لجأت لها بنجاح في فترات مؤقتة لحماية القدرة الشرائية. فهل تضارب المصالح بين رئيس الحكومة و أكبر شركة محروقات بالمغرب حال دون ذلك؟
3- الطاقة، مقارنات خادعة ومغلوطة
” الدول التي تقارنوننا معها تتوفر على مصافي للبترول و تتحكم في سلاسل التوريد و مع ذلك فسعر الكازوال بها يبلغ 2,5 يورو (27 درهم) في الوقت الذي يُباعُ في المغرب ب 15,5″
– غريب جداً أن أسمع مثل هاته المقارنات من “سيدة الأرقام” الأولى في المغرب، أو المفروض فيكِ أن تكوني كذلك. فعندما استعملتِ الأرقام جِئْتِ بمنطق مغلوط كلياً. ففي فرنسا مثلاً حيث يبلغ الكازوال 2,5 يورو (و هو ما كنتِ تشيرين إليه، مرجع فرنسا مرة أخرى) يبلغ الحد الأدنى من الأجور 1320 يورو أي حوالي 15 ألف درهم. أما بالمغرب حيث الحد الأدنى للأجور يبلغ 3500 درهم سعر الكازوال يصل ل 15,5 درهم. المعادلة l’équation تَدُلِكِ على أن الكازوال بالمغرب أغلى من فرنسا بأربع مرات، و هذه في حد ذاتها فضيحة !أما المقارنة الناجعة فيجب أن تبقى في محيطنا الجغرافي الذي يشبهنا. بتونس مثلاً و هي دولة غير بترولية أو غازية مثلنا، يبلغ سعر الأموال 7,34 درهم أي أقل من النصف من السعر بالمغرب (15,5 درهم).
4- التقاعد بين الإفلاس وتهميش المتقاعد :
“إن إصلاح نظام التقاعد ضرورة وليس ترفاً لضمان استمرارية الصناديق مع حكامة جيدة، لكن ليس لدينا تصور منفرد لهذا الإصلاح. إن الحكومة تريد مشروعاً تشاركياً مع كل الفرقاء الإجتماعية لأنه ملف جد صعب و ليس هناك أي سيناريو للإصلاح حتى اللحظة”.
– من الواضح أن تصريح الوزيرة يدل على هروب الحكومة للأمام و تعاملها مع أزمة منظومة التقاعد بمنطق كم حاجة قضيناها بتركها. السيدة الوزيرة، و أن لا تصور لهذه الحكومة لإنقاذ صناديق التقاعد الماضية للإفلاس و أن عدوى الصندوق المغربي للتقاعد قد تتنتقل للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الذي تم إثقاله بخدمات لاطاقة له بها. السيدة الوزيرة، إن إصلاح منظومة التقاعد يتطلب إرادة سياسية لا تتوفرون عليها، أما الإصلاح فيستوجب مشاركة الجميع بداية بالحكومة قبل أن تطالب المواطن بتحسس جيبه و قبول الرفع من سومة الإشتراك. صارحوا المغاربة بأنكم ضيعتم عليهم خمس سنوات من هدر الإصلاح و بأن العمر الإفتراضي للصندوق المغربي للتقاعد سينتهي سنة 2028 وأنه انطلاقاً من 2029 قد لا يجد أزيد من مليون متقاعد مغربي معاشاً لهم. هذه هي القنبلة الموقوتة التي رميتم بها في حضن الحكومة المقبلة. و في موضوعٍ ذي صِلة، لماذا تتجاهلون السيدة الوزيرة أزيد من مليوني متقاعد لم تعرف معاشاتهم أي زيادة رغم أنهم مواطنون اكتووا كذلك بنار ارتفاع الأسعار و تعرضت قدرتهم الشرائية لتعرية غير مسبوقة؟
5- النمو والتضخم والأسعار .. واقع الأرقام
“حققنا نسبة نمو تبلغ 4,5% وعجز ب 3% وتضخم ب 1% ،إذا استمرت الحرب ستتأثر هذه المؤشرات لكن حتى اليوم نحن متأكدون أن الإقتصاد الوطني لديه قدرة على الصمود خاصة و أن الموسم الفلاحي سيكون مميزاً”
– المفروض في وزيرة المالية أنها تُتقِن لغة الأرقام و تعتمد على مصادر رسمية، و الحال أن نسبة النمو المتوسطة التي حققتها هذه الحكومة (بين 2022-2025) لا تتجاوز 3,6% في حين أنكم وعدتم المغاربة ب 5%. ثم إن نسبة النمو التي لا تنعكس على أرض الواقع و يستفيد منها المواطن لماذا تصلح. حتى ولو كنتم قد حققتم 5% أو 6% فهذا لا يمنع أن نسبة البطالة ارتفعت من 9,6% في عهد حكومة العثماني إلى 13,1% مع حكومتكم، فأين هو وقع نسبة النمو؟ أما بالنسبة التضخم التي تقولين، السيدة الوزيرة، أنها انحصرت في 1% فربما لا تنزلين للأسواق حيث اكتوى المواطن بلهيب غلاءٍ غير مسبوق في كل مناحي المعيشة. بإمكانك أن تضعين جدولاً لأسعار اللحوم و الخضراوات و الفواكه قبل خمس سنوات و قبل عشر سنوات و قارنيها مع ماهو معمول به حالياً من أسعار نارية. في ماذا أفاد المواطن انخفاض نسبة النمو إذن
6- المديونية وغياب الشفافية
“المديونية تنخفض سنة بعد أخرى و هيئات التنقيط حسنت من تصنيف المغرب بشكل غير مسبوق”
-عندما نتحدث عن المديونية لابد من سرد الأرقام و مقارنة البيانات، أما الإكتفاء بالخَطابة فلا يعدو أن يكون مجرد إنشاء. لما تسلمت هذه الحكومة مقاليد التسيير كان حجم المديونية العامة 930 مليار درهم و بعد خمس سنوات أوصلتموها ل 1140 درهم و قد انتقلت من 75,6% من الناتج الداخلي الخام إلى 79,2% حسب أرقام HCP، و بالتالي
سجلت ارتفاعاً و ليس انخفاضاً كما تدعين. أما بخصوص تحسن تصنيف المغرب لدى الوكالات الأجنبية فهذا راجع للأمن و الإستقرار و وفاء المغرب وجداول التسديد، أي لأنه تلميذ نجيب لدى المُقْرِضين. للأسف وزيرة للمالية و تتحدثين عن المديونية دون سرد أرقام و مصادر رسمية!
7- ألغاز قُدُرات الطاقات المتجددة
” سنغطي 52% من حاجيات الطاقة عبر الطاقات البديلة و ذلك قبل التاريخ المقرر 2030″
– كما كان ردي على رئيس الحكومة، أقول لك سيدتي الوزيرة أن هذا الملف الإستراتيجي الذي أعطى انطلاقته ملك البلاد سنة 2009 يعتبر ورشاً استراتيجياً. لكن حكومتكم تعتمد على التعتيم و على رقم واحد فضفاض و هو بلوغنا نسبة تغطية حجم ع حاجياتنا الطاقية ب 46% من الطاقات المتجددة. و لنناقش الأمر بالأرقام حتى يكون للحوار معنى. إذا كانت تغطية حاجياتنا من الطاقات البديلة (ريحية و شمسية) وصلت 46% من مجموع استهلاكنا، فلماذا ارتفعت فاتورة شرائنا للمحروقات من 7,7 مليار دولار سنة 2021 إلى 11,5% سنة 2025 أي بزيادة 49,3% ؟ منطقياً و حسب إفادتكم، كلما ارتفعت نسبة تغطية حاجياتها الطاقية بواسطة الطاقات المتجددة إلا و نسبة ارتباطنا و شرائنا للطاقات الأحفورية (بترول، غاز ..) سَيَقِلْ. الآن على هذا الحكومة أن تقول للمغاربة كيف تغطي الطاقات المتجددة 46% من إجمالي حاجياتنا الطاقية (هذا رقم رئيس الحكومة)؟ كم ننتج من ميغاوات إجمالاً؟ و كم يُكْسِبُنا سنوياً بالدولار؟
