في الذكرى الثالثة لاعتقاله.. تسنيم الغنوشي تكتب رسالة لوالدها: إلى من علمني أن الحرية ليست شعارا
تسنيم الغنوشي
إلى والدي الحبيب… الشيخ راشد الغنوشي في الذكرى الثالثة لاعتقاله الغادر والجائر
إلى من علّمني أن الحرية ليست شعارًا… بل هي التزام وتضحية وانضباط لفكرة ومبدأ لمسار حياة كاملة …
اليوم تمرّ ثلاث سنوات على اعتقالك يا ابي…
ثلاث سنوات من الغياب، من الوجع، ومن الانتظار…
وثلاث سنوات أيضًا من الصمود، من الإيمان ومن الامل والثقة في عدل الله وسننه.
بابا الغالي،
إننا نشتاق إليك كل يوم…
نشتاق الى صوتك الجهوري وانت تقرأ القرآن أو تؤمنا للصلاة ، نشتاق الى موعظتك لنا بعد الصلاة وقراءتنا للأذكار معا تقودها بصوت حيوي رغم التعب والارهاق أحيانا…نشتاق الى جلوسك إلى طاولة فطور الصباح وانت تقرأ الجرائد ثم تنطلق بعدها مسرعا إلى مواعيدك والتزاماتك ضمن مشروعك، مشروع الحرية لجميع أبناء الوطن …نشتاق الى لعبك وهرولتك خلف احفادك الصغار وأصوات ضحكاتكم تملء البيت، كثير من تفاصيل حياة العائلة اليومية التي موجع تذكرها بغيابك عنها….
والدي العزيز، عشت حياتك خارج السجن كمرب ووالد وقائد متسقا مع نفسك ومبادئك ،إنسان يمارس في حياته اليومية ما يؤمن به: لم تفرض علينا أبدا فكرة أو وجهة بل ظللت تؤمن أن قوة الأفكار والحجج كفيلة بإقناع ذوي العقول …وأن اللين واللطف ودماثة الخلق هي أفضل سفير للفكرة سواءا قدمتها لأولادك أو لشركاء الوطن.
علمتنا يا أبي أن السياسة أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن الديمقراطية ليست مجرد كلمة… بل هي مسؤولية، وأن تونس لكل التوانسة… موش لفئة دون أخرى.
واليوم وأنت في زنزانتك…ما زلت تعلّمنا…أكثر من أي وقت مضى.
ظللت يا أبي تدعو الجميع الى أن تتسع صدورهم لبعضهم البعض ولم تسع الى الانتقام من أحد
ظللت تؤكد أن سفينة الوطن تستطيع أن تحمل الجميع طالما حافظوا عليها
ومع ذلك اعتقلت زورا وبهتانا بناءا على قلب الحقائق بادعاء السلطة أنك تحرض على التفرقة والإقصاء
بيت الشعبوية حيطانه من زيف وبهتان وأرضيته ترذيل افضل ما تنتجه الأوطان. من يختار أن يسكنه تصيبه الأوهام بكل الأمراض ويصعب علاجه، فاللهم عافنا واعف عنا من هذا الداء الي أصاب البلاد وأوهن الاجسام والأرواح
خسئ الظلم الذي يتلفع برداء القانون
خسئ الظلم الي يقتل روح القانون ويعبد شكله ويوظفه ضد الانسان
“فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا”، كانت تلك الآية الكريمة ردك على الحكم الظالم عليك. مهما علا الظلم وطغى وتجبر فإن عدل الله يمهل ولا يهمل ورحمته أوسع وأسبق.
سجنوك يا أبي لأنك رفضت الظلم، لأنك قلت “لا” للظلم وللانقلاب حين اختار كثيرون الصمت،
ولكنك يا أبي “لست وحدك” فدولتنا “عادلة في توزيع الظلم”، حيث يقبع اليوم في سجون الانقلاب كل رؤساء الأحزاب التونسية، وياله من إنجاز!
اليوم تفرهدوا التوانسة، ونقصوا مشاكلهم، وتنظف الفضاء العام من كل المتآمرين والخونة وقريب تصبح دولتنا ومؤسساتنا نظيفة من كل فكرة ومحتوى وغاية (يا ماشاء الله) غير أكل نفسها بنفسها!
أبي، أتساءل ما معنى وأنت في عقدك التاسع، أطال الله عمرك، أن تضاف اليك كل بضعة أسابيع أو أشهر أحكام جديدة ما عادش خالطين نحسبوها، أحكام ليس ببضع سنين…بل بعشرات السنين…؟
صارت هذه الأحكام الجائرة تُقاس بالعقود!
في مقابل هذا بابا الغالي،
وأنت في الرابعة والثمانين من عمرك (أطال الله عمرك)، ما زالت روحك متقدة حياة وحيوية،
لأنك تملك ما لا يملكون: تملك الإيمان، تملك المعنى، وتملك اليقين.
هم يملكون السجون…
وأنت تملك كلمتك وحكمتك ويقينك في الله وفي سننه
كما تملك شرعية الدفاع عن المعنى والحرية للجميع وللوطن
هم يملكون لحظة، ستكون قصيرة في التاريخ، وأنت تملك وعيا بالتاريخ وذكرا سيخلد فيه.
أبي الغالي،
نحن نعلم – ويعلم العالم كله – أن هذه المحاكمات سياسية،
وأن القضاء الذي يُستعمل لتصفية الخصوم، لم يعد قضاءً… بل أصبح أداةً من أدوات الظلم والتضليل،
وأن ما يجري في تونس اليوم…ليس فقط ظلمًا لأشخاص…بل هو محاولة لإطفاء حلم أن نصبح على وطن يعيش التونسي فيه حرا كريما دون قيد ولا استبداد
أنا على يقين يا أبي… أنني لا أحتاج أن أؤكد لك أن الحلم لا يموت فأنت أدرى بذلك مني
وأنت حتما أدرى أيضا أن حبل الكذب الذي يرمى به الأحرار زورا هو قصير
وأن الظلم ظلمات ولكن ليله مهما طال تشرق بعده الشمس دوما
“إن موعدهم الصبح… أليس الصبح بقريب.”
والسلام عليك يا أبي…
وعلى كل الأحرار في سجون الظلم…
ابنتك تسنيم
