سيدي اعلي سالم هبد
بين منصة البرلمان ورصيف الشارع المغربي، تتبدى هوة سحيقة لا تردمها البلاغة اللغوية ولا “الحشو” الرقمي. هكذا يمكن تلخيص المشهد ونحن نتابع “خطاب الوداع” لرئيس الحكومة، الذي جاء بمثابة تمرين في “التجميل السياسي” لواقع اقتصادي واجتماعي يتسم بالقتامة. إن القراءة المتأنية في حصيلة منتصف الولاية، ومن بعدها حصيلة الوداع، تكشف عن نمط خطير في التدبير العمومي: ليّ عنق الأرقام لإخفاء عجز السياسات.
الأرقام العنيدة.. حين تكذب لغة الحساب
لطالما ردد الاقتصاديون أن “الأرقام عنيدة”، لكن الحكومة الحالية يبدو أنها تمتلك “ممحاة” سحرية. فحين يتحدث رئيس الحكومة عن خلق 850 ألف منصب شغل، فإنه يقدم “أرقاماً من العدم” تفتقد للسند المؤسساتي. فالمؤشرات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP) تكشف زيف هذا التفاؤل؛ إذ أن صافي مناصب الشغل المحدثة في أربع سنوات لم يتجاوز 94 ألف منصب.
هذا الفارق ليس مجرد خطأ في الحساب، بل هو “انفصام” بنيوي؛ فكيف لحكومة أن تفتخر بحصيلتها بينما تقبع نسبة البطالة في صفوف الشباب (بين 18 و25 سنة) عند عتبة 38%؟ إننا أمام “قنبلة موقوتة” يتم تجميل فتيلها ببيانات صحفية وردية.
السيادة الصناعية: شعارات فوق رمال متحركة
رفعت الحكومة شعار “السيادة الصناعية” وعلامة “صنع في المغرب”، لكن لغة الواقع تصفع هذا الطموح. فمساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام ظلت تراوح مكانها عند 17% طوال الولاية الحكومية. إن الحديث عن السيادة في ظل استقرار هذه النسبة هو نوع من “الإنشاء اللغوي”، خاصة وأن ماركة “صنع في المغرب” لا تزال تعاني جهوياً وقارياً أمام منافسين مباشرين مثل تونس ومصر.
وحتى الطفرة في الاستثمارات الأجنبية، فهي تظل استثمارات “ظرفية” أو “متمركزة” في قطاعات الصناعات العالمية (سيارات وطيران) أو مرتبطة بأوراش المونديال، دون أن تتحول إلى “دينامية هيكلية” تخلق ثروة وطنية مستدامة وتوزعها بشكل عادل بين الجهات.
الفلاحة والجيل الأخضر: من “المخطط” إلى “اللهيب”
لعل أكبر إدانة لتدبير رئيس الحكومة، الذي عمر في قطاع الفلاحة لأكثر من عقد ونصف، هو عجز المغاربة في العام الماضي عن إقامة شعيرة عيد الأضحى كما ينبغي، بسبب سوء تدبير القطاع. لقد تحول “المخطط الأخضر” ثم “الجيل الأخضر” إلى آلة لدعم كبريات الاستغلاليات و”الشناقة”، بينما يكتوي المواطن بنيران أسعار اللحوم والخضروات التي بلغت مستويات غير مسبوقة.
إن سحب تدبير صندوق دعم العالم القروي من يد رئاسة الحكومة وتكليف وزارة الداخلية به، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان “رسالة سياسية” مشفرة تعلن فشل المقاربة القطاعية في تحقيق الأمن الغذائي للمغاربة.
اقتصاد “بيع الأثاث” والمديونية الصامتة
باعتزاز مبالغ فيه، تحدث رئيس الحكومة عن ارتفاع موارد الدولة، لكنه أغفل ذكر الثمن. فالموارد لم ترتفع نتيجة نمو اقتصادي (الذي لم يتجاوز معدله 3.2% مقابل 5% الموعودة)، بل نتيجة ضغط جبائي رهيب على المقاولات، ومن خلال ما سمي “التمويلات المبتكرة” التي ليست في الحقيقة سوى بيع لأصول الدولة بأكثر من 120 مليار درهم.
أما المديونية، فبينما تدعي الحكومة وضعها في مسار تنازلي (67.2%)، تشير الأرقام الواقعية إلى أنها قفزت لتلامس 79.2% من الناتج الداخلي الخام، مما يعني أننا نقترض لنسدد، ونبيع الأصول لنغطي عجز التدبير.
الدرس الذي لم تستوعبه الحكومة
إن الشرعية لا تستمد من التقارير المنمقة، بل من “رجع صدى” الشارع. إن مظاهرات “جيل Z” وشعاراتها الساخطة هي الجواب الحقيقي على نجاعة القرارات الصعبة التي تدعي الحكومة اتخاذها.
لقد سقطت الحكومة في فخ “الشعبوية الرقمية”، حيث يتم تضخيم الإنجازات الظرفية ونسبها للذات، وإلقاء الفشل على “الإرث” أو “الظرفية”. لكن في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة ساطعة: المواطن لا يأكل “نسب النمو” الورقية، ولا يسكن في “التمويلات المبتكرة”؛ المواطن يريد شغلاً حقيقياً، وقدرة شرائية كرامة، وخدمات اجتماعية لا تضطره للخروج إلى الشارع للمطالبة بأبسط حقوقه.
لقد كان “خطاب الوداع” فرصة لتقديم نقد ذاتي شجاع، لكنه تحول، للأسف، إلى محاولة يائسة لتجميل حصيلة ستظل أرقامها “عنيدة” في وجه كل محاولات التزييف
