محمد عصام
تصر هذه الأغلبية التي جثمت على أنفاس المغاربة على أن لا تترك نقيصة إلا اقترفتها وبسبق الإصرار والترصد.
ففي سابقة لا أظن أنه سيأتي من يجرؤ على اقترافها، أصر رئيس الجلسة العامة للأسئلة الشفهية أمس الإثنين، وهو المنتمي للحزب الأكبر في الأغلبية، على “الشتف” على المنطق وعلى الدستور وعلى كل ما تعارف عليه الناس منذ الأزل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكرر بشكل فج أكثر من مرة عبارة “إن مكتب مجلس النواب لا يخطئ”.
قالها وكررها إمعانا في إذلال السياسة والمنطق والعقل والدستور وكل شيء تعارف عليه الناس وتلقوه بالقبول على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وأديانهم وأزمانهم وأمكنتهم.
فلا أحد في العالمين يمكن أن يقبل أن مجموعة صغيرة من الناس تُكوِّن مكتبا أو هيئة لا يمكن أن يتسرب لها الخطأ، وأن الخطأ قدر إنساني تفرضه طبيعة الضعف البشري، ومحدودية قدراته، ونسبية اجتهاداته، والإنسان ومنذ كان إلى أن يرث الأرض إنما يتعلم من أخطائه، بل إني أكاد أجزم أن تاريخ الإنسانية هو تاريخ أخطاء يتم تصويبها بشكل دائم، وأن الكمال لله وحده.
إن هذه “السنطيحة” التي أبان عنها رئيس الجلسة هي امتداد لأسلوب في السياسية، يدمن الاستعلاء على الآخر، واحتقار الرأي المخالف، وشيطنة أصحابه، وفي ذات الوقت يكسب للذات مجدا لا بطولة لها فيه، غير الادعاء الكاذب والوهم المخادع.
وإذا تأملنا بشيء من العمق هذا السلوك المستعلي الذي ينسب لنفسه الكمال ويصم غير بكل نقيصة، نجده يقترن بالتنظيمات “الأبوية” التي تُدَوِّر ثقافة الخنوع للقيادة وتسليم الزمام لها في الأمور كلها، وفي حالتنا المغربية، فإن الحزب الذي ينتمي له رئيس الجلسة المقترف لهذا الحضيض، قد حوَّل السياسة إلى بورصة مالية تذعن فيها الرقاب والعقول والإرادات على حد سواء لمن يملك أكبر رصيد من “خنز الدنيا”، وتحول الحزب إلى مقاولة، تصرف فيها فروض الطاعة للزعيم المبجل والذي يستمد شرعيته من دفتر شيكاته وليس من سابقة نضالية أو شرعية تاريخية أو تميز فكري أو نباهة سياسية.
لقد ولى ذلك الزمن الجميل الذي كانت فيه القيادات السياسية هاماتٍ فكريةً، وقدواتٍ نضاليةً، تستند على شرعية تاريخية ونضالية لا مطعن فيها، وكانت تنمي النقاش السياسي بما تنتجه من أفكار وما تصنعه من مواقف وسلوك سياسي، وبأفول هذا النموذج، وحلول نموذج القائد/ المقاول، أو الزعيم / رئيس الشركة، كان طبيعيا في بيئة فقيرة فكريا، معدمة سياسيا ونضاليا، أن تنمو ثقافة “الاستصنام” والزعيم الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.
باختصار، إن ما فاه به رئيس الجلسة أمس، هو في الحقيقة هو محاولة بئيسة لسحب الوضع النشاز الذي يعيشه حزبه على مؤسسة البرلمان، وهو في البداية والنهاية، هو محاولة لتكميم الأفواه، وتبخيس لمؤسسة البرلمان التي تستمد شرعيتها من تصويت الأمة على أعضائها، وأي استعلاء على أعضائها هو إهانة بسبق الإصرار والترصد للشعب المغربي قاطبة.
فمتى يستفيق هؤلاء القوم من غيهم، فكونهم يقبلون على أنفسهم في حزبهم أن يكونوا مجرد أتباع لزعيم يعتقدون أو يتوهمون أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، فهذا لا يبيح لهم بالمطلق أن يهينوا الشعب المغرب ومؤسساته وممثليه وقديما قال الشاعر:
من يَهُن يسهُلِ الهــوانُ علـيه ما لـجُرحٍِ بميِّتٍ إيـــــلامُ
