لا تَخْدشوا حُرمة القُبّة… ولا تُفقدوا السياسة معناها

بين الفينة والأخرى، تطالعنا على منصات التواصل صورٌ وحكايات عن علاقات القُربى داخل قبة البرلمان. ليست المشكلة في القرابة بذاتها، فالعلاقات الإنسانية لا تدان، لكن الكارثة حين تتحول هذه القرابة إلى معيارٍ غير مُعلن للولوج، وجسرٍ مختصرٍ يقفز فوق الكفاءة الاستحقاق والتدرج…
الأخطر من الصور، تلك الهمسات التي صارت شبه يقين: صراعاتٌ مُعلنة وأخرى خفية حول تمثيلية قريبات قيادات حزبية في لوائح للنساء. حديثٌ عن “من يدفع أكثر”، و“من يملك النفوذ الأكبر”، و“من يفرض حضوره بقوة القرب”.
قد لا تثبت كل رواية، ولا يصح كل تأويل … لكن تراكمها يصنع واقعا مُقلقًا: كل القراءات السيئة تصبح واردة، وكل الشعارات—التمكين، الكفاءة، الاستحقاق، التدرج—تتوارى إلى الخلف.
يُطلب من الناس أن يثقوا…
ويُطلب—قبلها وبعدها—من المناضلين أن يتعففوا، وأن يُنافحوا عن الحزب، وعن الديمقراطية، وعن المعنى النبيل للسياسة. لكن بأي زادٍ أخلاقي نُقنعهم، إذا كانت معاول الزبونية والقُرب تشتغل ليل نهار، تدكّ ما تبقّى من جدار العدالة، وتخلخل الأمل في سياسةٍ نظيفة؟
كيف تُزرع الثقة في تربةٍ يُسقى فيها الشك؟
كيف يُطلب من المناضل أن يصمد، ان يترافع… وهو يرى الكفاءة تُزاح جانبًا، والاستحقاق يُستبدل بالولاء، واللوائح تتحول—في أعين الناس—إلى فضاءاتٍ للتدبير المغلق؟ أيُّ معنى يبقى للنضال حين يُكافأ القُرب أكثر مما تُكافأ الجدارة؟
والنتيجة؟
قبةٌ تُميَّع… فتُخدش حرمتُها.. وجيبٌ يُلمَّع.
حضورٌ شكليّ بعددٍ مُعتبر… وأداءٌ خافت بحضورٍ غير مُعتبَر.
مقاعدُ تُملأ، لكن الأثر لا يُرى إلا أن يكون تصفيقا او تهليلا…او ضجيجاً للتشويش تحت الطلب ؛ أسماء تُحصى، لكن الصوت لا يُسمع…. وحين يُبنى الوصول على غير الاستحقاق، يصبح الصمت هو القاعدة، وتغيب الجرأة، ويُفرَّغ التمثيل من روحه.
وحين تُدار التزكيات بمنطق الولاء لا الجدارة، لا نُسيء فقط إلى مؤسسة تشريعية، بل نُسيء إلى فكرة السياسة نفسها.
فهلا أخبرتموهم، أن البرلمان ليس شجرة عائلة، ولا منصة لتبادل المنافع! بل هو فضاء للمساءلة، ومرآةٌ لإرادة المواطنين.
هلا ذكرتموهم، بأن المصالح متى اختلطت بالأنساب، ضاعت الحدود، وخفَتَت الجرأة الرقابية، وتراجعت هيبة التمثيل….!
ولنكن جميعا صرحاء : عزوف الناس عن السياسة ليس لغزًا. إنه نتيجة مشاهد تتكرر حتى صارت قاعدة.
فالناس لا يكرهون السياسة، بل يكرهون ما آلت إليه حين تُفرَّغ من معناها.
وإذا كان الجرح هنا مضاعفًا، فهو أشد وضوحت حين نقترب من تمثيلية النساء. فبدل أن تكون اللوائح النسائية رافعةً لتمكين الكفاءات النسائية، تحوّلت—في نظر كثيرين—إلى ساحة صراع محتدم بين قيادات حزبية حول “كرسي” محدود.
إنه تنافس لا يُقاس فيه وزن التجربة ولا عمق العطاء عند بعض الأحزاب، بل من يفرض قرابته، أو يوسّع نفوذه، أو يربح معركة الكواليس. مشهدٌ يثير الغضب… إن لم نقل التقزّز. لأن المرأة التي يفترض أن تدخل من باب الاستحقاق، تزاح أحيانا لصالح حسابات القرب (والقرب أنواع) فيُختطف معنى التمكين، ويُشوَّه الهدف النبيل من هذه الآلية. هكذا لا نقوي حضور النساء في السياسة، بل نُضعفه، ونحوّل إنجازًا مأمولا إلى مصدر ريبة بدل أن يكون مصدر ثقة.
وبكلمة، تمكين النساء ليس “حصة” تُوزّع على ابنة فلان وأخت علان ، ولا “امتيازًا” يُمنح لمن يملك الظهير، ولا “تأشيرة حظوة” مختومة وممهورة بنسب عائلي …
التمكين الحقيقي هو فتح الأبواب أمام الكفاءة حيثما وُجدت، والنضالية حيثما برزت، وصون المنافسة من التشويه، وحماية اللوائح من الالتفاف والضّبط القبْلي والقبَلي والعائلي…. .
ولنا في البرلمان، أمثلة مضيئة لعدد من النواب والنائبات ممن سلكوا طريق الاستحقاق، عبر مسطرة “صعبة “، رجال ونساء شرّفوا القبة، وتشرفوا بها …. ولنا في المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية مثال يحتذى، ولا فخر !
رجال ونساء أبدعوا وأقنعوا…. يعرفهم القاصي والداني!
دون ذلك… مما ذكرتُه أعلاه، يصبح كل حديثٍ عن الإصلاح مجرد زخرفة لغوية لا تُقنع أحدًا…. ولا تصمد أمام أول نقاش…
و بالجملة، إن الثقة لا تصنع بالخطب، بل بالممارسة:
معايير واضحة ومعلنة، منافسة حقيقية، ومحاسبة لا تستثني أحدا. غير ذلك، سنظل ندور في الحلقة نفسها: خطاب يُعبّئ، وواقع حال يُبدّد. كلام وردي، وميدان رمادي….
*نداء أخير* :
لا تخدشوا حُرمة القُبّة… ولا تحولوها إلى سوق مغلق يافطته ” *القرابة* ” بشتى أنواعها…
لا تُثقلوا كاهل المناضلين بخطابٍ لا تسنده الممارسة.
أعيدوا الاعتبار للكفاءة، واحموا الاستحقاق، وصونوا ما تبقّى من ثقة في السياسة.
أو ليس “العدلُ اساس الملك، وإذا فقد الأساس انهار البنيان؟
فلا تكرّهوا الناس في العمل السياسي… ولا في صيغته المؤنثة أكثر فأكثر.

نعيمة بويغرومني ، عضو لجنة المناصفة وتكافؤ الفرص وعضو المجلس الوطني للحزب.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.