نعيمة بويغرومني
لم يكن المشهد هذه المرة صادراً عن شخص عابر في مقهى، ولا عن مؤثر مرتبك في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل عن رئيس فريق حزب التجمع الوطني للأحرار داخل مجلس النواب…
نعم، رئيس فريق الحزب الذي يقود الحكومة، ويمسك بالأغلبية، ويتحكم في مفاصل القرار السياسي والتشريعي في البلاد.
وهو المشهد، الذي صار مادة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، لم يثر الانتباه لأنه طريف أو عابر، بل لأنه صادم في دلالته، ومربك في رمزيته، ومهين في أثره على صورة مؤسسة يُفترض أنها قلب التشريع ومرآة الدولة.
رجل يفترض أنه يتحدث باسم الأغلبية الحكومية، ويحمل مسؤولية الدفاع عن السياسات العمومية، وقف داخل البرلمان ليستعين بهاتفه الذكي لقراءة جواب قانوني، ثم تعثرت به الكلمات، وارتبكت الحروف في فمه، وكأن اللغة العربية أصبحت عبئاً ثقيلاً لا لغة دستور ووطن.
يا للمفارقة… حزب يقود الحكومة، لكنه يعجز عن قيادة جملة سليمة!
ولأن المشهد لا يُفهم بمعزل عن سياقه، فإن النص الذي استعصى على القراءة لم يكن فلسفة معقدة لمحمد عابد الجابري، ولا رواية لعبد الكريم الجويطي، ولا قصيدة حداثية لمحمد بنيس، ولا قصيدة صوفية رمزية لسيدي محمد الحراق، ولا رواية وطنية لخناتة بنونة… بل مجرد سطر قانوني بسيط، بلغة عربية يفترض أنها اللغة الرسمية للدولة، ولغة البرلمان، ولغة الدستور نفسه.
وهنا تتكشف المفارقة المؤلمة: حين تتحول لغة الدستور من أداة سيادة إلى مادة ارتباك داخل قبة يُفترض أنها صمّام حمايتها.
لكن يبدو أن زمن “السياسي المثقف” قد انزاح تدريجياً، لصالح نموذج آخر، سياسي يعتمد على الهاتف أكثر من اعتماده على التكوين والمعرفة، وكأن البرلمان صار يحتاج إلى شاحن كهربائي بدل أن يحتاج إلى كفاءة سياسية رصينة.
قيل قديماً: “الإناء ينضح بما فيه”، ومن لا يملك أدوات التعبير عن الوطن، كيف يُؤتمن على التعبير باسم الوطن؟
ثم إن المسألة هنا ليست في خطأ عابر أو تعثر إنساني، فذلك وارد.
إنما المسألة أن المشهد صدر عن رئيس فريق الحزب الحاكم، داخل أعلى مؤسسة تشريعية في البلاد، وفي لحظة يُفترض أنها لحظة وقار ومسؤولية وهيبة دولة. والأخطر من التعثر نفسه، ذلك الإحساس البارد بانعدام الحرج، وكأن إهانة اللغة داخل البرلمان أمر يمكن تجاوزه بلا أثر ولا مساءلة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: أي رسالة تُبعث اليوم إلى المواطن؟
هل الكفاءة لم تعد شرطاً؟
هل اللغة لم تعد أداة حكم وتفكير وتمثيل؟
هل يمكن لمن يتصدر التشريع أن يستعيض عن التكوين بالهاتف، وعن الحضور الذهني بالنسخ والقراءة المرتبكة؟
في الدول التي تحترم مؤسساتها، قد يكفي مشهد واحد كهذا لإثارة نقاش وطني واسع حول الكفاءة والتمثيلية السياسية. أما عندنا، فيُراد للمشهد أن يُستهلك سريعا ثم يُنسى، وكأن الأمر لا يعدو زلة عابرة في سياق عادي.
ثم يُستحضر في التبرير منطق “الدراسة بلغة أجنبية”، وكأنه صكّ إعفاء من مسؤولية إتقان لغة الدولة داخل مؤسساتها. وكأن التعدد اللغوي يتحول إلى قطيعة مع اللغة الرسمية بدل أن يكون رافداً للمعرفة والانفتاح.
والحقيقة أن تعلم اللغات الأجنبية قوة وانفتاح، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لإضعاف اللغة الوطنية داخل فضاء السيادة والتشريع. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي هوية وذاكرة ووعاء سيادة رمزية للدولة.
ولو وقع هذا المشهد في برلمان دولة تحترم نفسها، لتحول إلى قضية رأي عام، ولتحركت الأسئلة حول الكفاءة والمعايير والمساءلة السياسية.
أما هنا، فيُطلب من المواطن أن يمر عليه مرور الكرام، وكأن لا شيء يستحق الوقوف عنده.
أو لم يعلمونا في المدارس “إذا فسد المقياس، ضاع التمييز بين العلو و الانحدار”؟
و بالجملة، بلغوهم أن اللغة ليست تفصيلاً هامشياً، بل اللغة سيادة. اللغة ذاكرة أمة. اللغة هوية، اللغة اعتزاز يُخدش متى رقّع المتحدث لسانه بلسان آخر لغير ما ضرورة…. إنها لعمري عنوان الانتماء ولا فخر!
و بالتبع، بلّغوهم أن من يُهين لغة الوطن داخل البرلمان_عفوا أو قصدا _ إنما يُهين صورة الوطن نفسه، مهما كانت صفته أو موقعه أو انتماؤه.
ولمن فاته أن يتابع “حُرمة قبة البرلمان” نخبره خبر اليقين كما أخبرنا أساتذتنا الأجلاء، وطوّقوا أعناقنا بمعروف يجبرنا على تكرار لازمته كالتالي : “حب لغة الوطن وحب الوطن وجهان لعملة واحدة”
قلت، لمن فاته أن يتابع “حرمة قبة هذا البرلمان” أنها قبة مر عليها – رغم كل التوترات- رجال ونساء امتلكوا قوة التعبير وهيبة الكلمة، وكان الاختلاف بينهم سياسياً، لكن احترام أدواتهم ظل قائماً….
أما اليوم، حين يصبح الارتباك بديلاً عن الكفاءة عند البعض ، والتلعثم بديلاً عن الحجة عند قيادات ادعت الكفاءة، فذلك مؤشر على خلل أعمق في بنية التمثيل السياسي.
إنها _وللأسف _ليست حادثة معزولة، وإلا ما كتبنا هذا المقال_فقد سبقتها حالات يقصر المقال عن استيفاءها،
وبكلمة، إنها مرآة لوضع يتراجع فيه معيار الكفاءة لصالح معايير أخرى تُبعد السياسة عن جوهرها الحقيقي: التشريع، والإقناع، وتمثيل الأمة….
وإلى أن نستفيق من أخذة الانحدار هذه، ستظل عقيرتنا مبحوحة بذات العبارة: “من مصلحة من هذا العبث؟!”
وتظل في القلب حسرة لا تهدأ، نجملها في جملة:
“أتعبنا حبك يا وطني”.
