عندما يكذب الوزير .. من يصدق رواية 400 درهم بتارودانت

سعاد بولعيش


 

لم تعد أزمة المواطن المغربي اليوم مرتبطة فقط بغلاء الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بأزمة ثقة حقيقية بين الشارع والخطاب الحكومي. فحين يخرج مسؤول حكومي بتصريحات بعيدة عن الواقع، ويحاول تسويق أرقام لا علاقة لها بما يعيشه المغاربة يومياً، فإن الأمر يتجاوز مجرد “زلة لسان” إلى سقوط سياسي وأخلاقي في تدبير التواصل مع الشعب.
تصريح الوزير السعدي حول “فرص الشغل بتارودانت بـ400 درهم” لم يمر مرور الكرام، لأنه ببساطة اصطدم مباشرة بواقع اجتماعي قاسٍ يعيشه المواطن المغربي. المغاربة الذين يواجهون يومياً ارتفاع أسعار المواد الأساسية، والمحروقات، والنقل، والفواتير، لم يعودوا يقبلون لغة التبرير أو محاولات تجميل الواقع بالأرقام والخرجات الإعلامية المرتبكة.
المشكل الحقيقي ليس في الرقم فقط، بل في العقلية التي تنتج هذا الخطاب. عقلية تعتبر أن المواطن يمكن تضليله بسهولة، وأن الذاكرة الجماعية قصيرة، وأن الواقع يمكن تغطيته بالكلمات. لكن الحقيقة التي تبدو واضحة اليوم هي أن الهوة تتسع بين الحكومة والشارع، وأن الإحساس العام لدى فئات واسعة من المغاربة هو أن هناك انفصالاً حقيقياً بين من يدبرون الشأن العام ومن يعيشون المعاناة اليومية.
الخطير في مثل هذه التصريحات أنها تعمق فقدان الثقة في المؤسسات، وتغذي الشعور بالإحباط والغضب، خصوصاً لدى الشباب والطبقات المتوسطة والفقيرة التي أصبحت ترى أن الحكومة لا تنصت لصوتها بقدر ما تنشغل بالدفاع عن حصيلتها وتبرير فشلها.
السياسة ليست استعراضاً إعلامياً، ولا سباقاً في تبرير الأزمات، بل هي مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء. والمسؤول الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، لا من يصر على إنكار الواقع أمام شعب يعيش التفاصيل الدقيقة للأزمة يوماً بعد يوم.
إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطابات مطمئنة مصطنعة، بل يحتاج إلى مصارحة حقيقية، وإلى سياسات اجتماعية تعيد للمواطن كرامته وثقته، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حكومة هو أن تصبح تصريحاتها مادة للسخرية بدل أن تكون مصدر طمأنينة وثقة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.