سيدي اعلي سالم هبد
بينما يستعد المغاربة لاستقبال شعيرة عيد الأضحى المبارك، تطل علينا الحكومة من برجها العاجي بخطاب “التوازنات الماكرو-اقتصادية”، متناسيةً أن التوازن الحقيقي هو الذي يقع في ميزان رب الأسرة المنهك بين نارين: نار أسعار الأضاحي التي بلغت عنان السماء، ولهيب أسعار المحروقات التي أصبحت تستنزف ما تبقى من كرامة في جيوب البسطاء.
ارتهانٌ للخارج وعجزٌ في الداخل
إن الأزمة الحالية ليست مجرد “قدر جغرافي” أو ضريبة للتوترات الدولية في مضايق بعيدة، بل هي تجسيد حي للفشل الحكومي في اجتراح حلول سيادية تقينا شر التقلبات. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن “دعم مهنيي النقل”، يكتشف المواطن أن هذا الدعم ليس سوى “حقنة تخدير” موضعية لم تمنع عدوى الغلاء من الانتقال إلى ثمن “الرحلة” وقيمة “الخروف”. إن الإصرار على الارتهان الكامل لتقلبات السوق الدولية، مع إبقاء ملفات السيادة الطاقية –وعلى رأسها مصفاة “لاسامير”– في رفوف النسيان، هو مقامرة سياسية غير محسوبة العواقب بمستقبل الأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة.
السياسة بمفهوم “المحاسبة”
تتعامل الحكومة الحالية مع أزمة المحروقات بعقلية “المحاسب” الذي يراقب الأرقام، لا بعقلية “الرجل السياسي” الذي يرعى مصالح الشعب. فكيف يمكن تبرير استمرار هوامش الربح الفاحشة لشركات المحروقات في وقت يئن فيه المواطن تحت وطأة تضخم لم يسبق له مثيل؟ إن غياب الإرادة السياسية في تسقيف الأرباح أو فرض ضريبة استثنائية على “الأرباح غير المستحقة” في زمن الأزمة، يضع شعار “الدولة الاجتماعية” في قفص الاتهام، ويحوله من مشروع مجتمعي إلى مجرد واجهة دعائية تفتقر للمضمون.
المواطن.. الحلقة الأضعف في “سلاسل الإمداد”
يصل الكبش إلى الأسواق مثقلاً بتكاليف “اللوجستيك” المشتعلة، ليجد خلفه حكومة تكتفي بدور “المتفرج” أو “الناطق الرسمي” باسم الأزمة. إن تحميل المواطن وزر الفشل في ضبط سلاسل التوزيع ومحاربة المضاربة هو استقالة ضمنية من الأدوار الدستورية للحكومة. فالعيد، الذي يجب أن يكون لحظة للتضامن، أصبح بفضل التدبير الحكومي المرتبك فصلاً من فصول “المعاناة القهرية”، حيث تُذبح القوة الشرائية قبل أن تُذبح الأضاحي.
إن الاستقرار الاجتماعي ليس صكاً على بياض، والرهان على “صبر المغاربة” هو رهان محفوف بالمخاطر. إن المطلوب اليوم ليس بلاغات إنشائية أو وعوداً مؤجلة، بل قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للقدرة الشرائية، وتكسر هيمنة اللوبيات الطاقية، وتجعل من “المصلحة الوطنية” بوصلة حقيقية لا مجرد شعار يُرفع في المواسم الانتخابية.
فهل تستوعب الحكومة أن شرعية أي تدبير تُقاس بما يتركه في جيوب الناس، لا بما تملأ به شاشات العرض
