حسن حمورو
في لحظات التحول العميق التي تعيشها التجارب الحزبية، لا يبقى السؤال مقتصرا على كيفية إنقاذ تنظيم سياسي من أزمته الداخلية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر امتدادا، هو كيف يمكن إعادة الاعتبار للفعل السياسي ذاته؟ وكيف يمكن لحزب، راكم تجربة في التدبير والمعارضة، أن ينتقل من هاجس البقاء، إلى أفق الإسهام في إنقاذ السياسة من التبخيس والتجريف؟
لقد أفرزت السنوات الأخيرة واقعا يكاد يكون معقدا، حيث تراجعت الثقة في الأحزاب، وتزايد الإحساس بأن السياسة لم تعد قادرة على إنتاج الأمل أو التأثير في القرار.
وفي قلب هذا السياق، وجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام سؤال مركب، نصفه داخلي يتعلق بإعادة بناء الذات التنظيمية، ونصفه الثاني خارجي يرتبط بإعادة وصل ما انقطع مع المجتمع ومع مؤسسات الدولة ونخبها.
إن اختزال المرحلة في إنقاذ الحزب فقط، هو تبسيط مخلّ، لأن الرهان الحقيقي اليوم هو أوسع من ذلك بكثير، إنه رهان إنقاذ السياسة من الاختزال في التدبير التقني ونقاش السياسات العمومية، أو الصراع العددي، وإعادتها إلى مجالها الطبيعي، كفضاء للتنافس حول الأفكار والاختيارات الكبرى، وهنا بالضبط تبرز مسؤولية الأحزاب ذات المرجعية الايديولوجية، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، في تقديم نموذج يعيد الاعتبار للنضال من أجل الإصلاح، لا فقط للأداة.
أول مدخل لهذا الرهان، هو ضرورة بناء جسور جديدة بين الحزب ونخب الدولة، ومناضلين اصلاحيين، وبعض الفئات المجتمعية ذات التأثير، من فنانين رياضيين وصحافيين مستقلين، وغيرهم، فالتجارب الناجحة لا تقوم على القطيعة، بل على التفاعل الذكي بين الفاعل الحزبي ومحيطه المؤسساتي والمجتمعي.
لقد أثبتت التجربة أن منطق التصادم، أو سوء الفهم المتبادل، يؤدي في النهاية إلى إضعاف الجميع، حيث يفقد الحزب قدرته على التأثير، وتخسر الدولة فاعلا سياسيا قادرا على التأطير والتعبئة.
المطلوب إذا ليس الذوبان في منطق الدولة، ولا التموقع خارجها، بل بناء علاقة متوازنة تقوم على الوضوح والثقة المتبادلة، علاقة تعترف بدور المؤسسات، وتحترم قواعد المشاركة، لكنها في الآن نفسه تحافظ على استقلالية القرار الحزبي وعلى قدرته النقدية، فالنخب الحزبية مطالبة بتطوير لغتها السياسية، وفهم أعمق لرهانات الدولة، كما أن نخب الدولة مطالبة بدورها بالانفتاح على الفاعلين السياسيين وعدم اختزالهم في وظائف ظرفية.
وليس هناك توقيت وسياق أفضل لبناء هذا الجسر، من لحظة الانتخابات، التي تعاد فيها إعادة انتشار النخبة إذا جاز التعبير وصفا لا قدحا، وهي لحظة تيّسر بناء روابط التعاون والشراكة الحقيقية بين الأحزاب ونخب الدولة ونخب المجتمع.
على أن هذا الانفتاح ينبغي التعامل معه كخيار استراتيجي لإعادة وصل السياسة بنبض المجتمع، فهذه الفئات لا تختزل فقط في أدوارها المهنية، بل تمثل خزانا رمزيا وتأثيريا قادرا على تحريك الاهتمام العام وإعادة الاعتبار للنقاش العمومي.
إن إدماج هذه الطاقات في الفعل السياسي، عبر منحها فضاءات حقيقية للتعبير والمساهمة، من شأنه أن يوسع قاعدة المشاركة، ويكسر الصورة النمطية التي تحصر السياسة في دوائر ضيقة من الفاعلين التقليديين، كما أن هذا الانفتاح، إذا تم بمنطق الشراكة لا الاستقطاب الظرفي، يمكن أن يساهم في تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في الحياة الحزبية، بما يعزز الثقة ويعيد الأمل في قدرة السياسة على التأثير، ويجعلها مرة أخرى شأنا مجتمعيا مشتركا، لا مجرد تنافس وصراع نخبوي معزول.
أما المدخل الثاني، فيتعلق بإعادة صياغة العلاقة بين المبادئ والبراغماتية، وهي معادلة ظلت دوما محور توتر داخل الأحزاب ذات المرجعية الايديولوجية، لأن الإفراط في التشبث الحرفي بالمبادئ قد يؤدي إلى العزلة والانغلاق، بينما الانزلاق الكامل نحو البراغماتية قد يفرغ المشروع الحزبي من روحه ويحوّله إلى مجرد أداة وظيفية وتدبيرية بلا بوصلة.
إن التحدي الحقيقي في هذا الصدد، يكمن في القدرة على إنتاج براغماتية مؤطرة بالقيم، حيث لا يتم التخلي عن المبادئ، بل يتم تنزيلها بمرونة وذكاء وفق معطيات الواقع، فالمبدأ بدون قدرة على التفعيل يبقى شعارا، والبراغماتية بدون مرجعية تتحول إلى انتهازية، وبين هذا وذاك، تتحدد جودة الفعل السياسي.
لقد آن الأوان لتجديد الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الاقتراح، ومن هاجس التماسك الداخلي، إلى أفق الإشعاع المجتمعي، لان الحزب الذي ينجح في ترميم بيته الداخلي دون أن يستعيد موقعه في النقاش العمومي والسباق الانتخابي، يظل عاجزا عن أداء وظيفته الحقيقية، كما أن استمرار الانخراط في السياسة بمنطق رد الفعل، لا يكفي لإعادة بناء الثقة، بل المطلوب هو تقديم رؤية متكاملة تعيد للمواطن الإحساس بأن السياسة ما زالت قادرة على تحسين شروط حياته.في الختام، لا يمكن إنقاذ الحزب بمعزل عن إنقاذ السياسة، ولا يمكن استعادة السياسة دون أحزاب قوية، مستقلة، وقادرة على التجديد.
إنها لحظة تفرض شجاعة في المراجعة، وجرأة في التفكير، وصدقا في الالتزام، لحظة تقتضي الانتقال من سؤال “كيف ننجو؟” إلى سؤال “كيف نُسهم في إعادة وهج السياسة؟”، والانتقال من هاجس البقاء إلى أفق ترميم البناء، والانتخابات مادة ترميم لا غنى عنها.
