تسييس “الوصم الفكري”: تفكيك سردية الشيطنة الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية في الفضاء العام المغربي

سيدي اعلي سالم هبد


تشكّل العبارات الراديكالية ومحاولات “الوصم الأيديولوجي” في الفضاء السياسي المغربي مادة غنية للتحليل السوسيولوجي والسياسي، كونها تتجاوز حدود المشادات الخطابية العابرة لتكشف عن اصطفافات عميقة وآليات لإدارة الصراع الانتخابي والرمزي. إن توجيه عبارات قدح أو وصم فكري وسياسي لعناصر وهيئات حزب العدالة والتنمية، من قبيل اتهامهم بـ”الظلامية”، “الرجعية”، أو “تهديد الثوابت الحداثية” — وفي المقابل، النماذج الساخرة والمقلوبة التي تصم المنتقدين بـ”الشيوعية” أو “العداء للهوية” كما تلخصه الصورة المتداولة — لا يمثل مجرد سجال عادي، بل يعكس إستراتيجية ممنهجة لـ “نزع الشرعية السياسية” (Delegitimization) من خلال نقل المعركة من حقل البرامج والأداء التدبيري إلى حقل الهوية والتنميط الفكري.
​1. من نقاش البرامج إلى معارك الهوية: آليات التنميط
​تعتمد البنية الذهنية للخطاب الإقصائي أو القدحي في مواجهة تيار العدالة والتنمية على آلية “الاختزال والتعميم”.
​تحييد التقييم المؤسساتي: بدلاً من مناقشة الحصيلة الحكومية، التدبير الإداري، أو المواقف الاقتصادية والاجتماعية للحزب بروح النقد الأكاديمي والسياسي، يتم الهروب إلى الأمام عبر استدعاء فزاعات أيديولوجية جاهزة.
​الوصم المتبادل: يسعى هذا الخطاب إلى حصر الحزب في زاوية “المشروع الثيوقراطي” أو “الأجندة الدعوية”، مما يلغي طبيعته كحزب سياسي وطني يشتغل تحت سقف الدستور وداخل اللعبة المؤسساتية. وفي المقابل، تقع بعض الخطابات المقابلة في الفخ ذاته عبر وصم الخصوم بـ”الشيوعية” أو “الانحلال”.
​2. “الأيديولوجيا البديلة” وإستراتيجية الإلهاء السياسي
​يلاحظ في السوسيولوجيا السياسية المغربية أن توظيف عبارات القدح والوصم الفكري ينتعش بشكل خاص في المحطات السياسية الحاسمة والمنعطفات الانتخابية. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى:
​خلق استقطاب هوياتي مصطنع (Polarization): تقسيم المجتمع والنخبة إلى فسطاطين (حداثي ضد محافظ، أو وطني ضد دخيل)، وهو تقسيم يخدم الأطراف المفتقدة لبرامج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
​شيطنة الفاعل الحزبي: إن تحويل العضو الحزبي إلى “خصم وجودي” أو “عنصر هدم” يبرر أخلاقياً وسياسياً استخدام كافة الوسائل لإقصائه، مما يضرب في العمق قيم التعددية والتنافس الديمقراطي الشريف.
​3. أثر التراشق الأخلاقي على جودة الفضاء العام المغربي
​إن هيمنة لغة القدح والوصم، سواء صدرت من الحزب تجاه خصومه أو من الخصوم تجاهه، تؤدي إلى نتائج سلبية على البناء الديمقراطي:
​تراجع العقلانية السياسية: يصبح النقاش العام محكوماً بالانفعالات والشحنات العاطفية بدلاً من الأرقام، المؤشرات، والسياسات العمومية.
​إعاقة التداول السلمي والطبيعي للسلطة: عندما يُنظر إلى الصراع السياسي كمعركة “بقاء ثقافي أو أيديولوجي”، يصبح التوافق وبناء التحالفات الوطنية لخدمة الصالح العام أمراً بالغ الصعوبة.

نحو عقلنة الخطاب السياسي المغربي

​إن تفكيك عبارات القدح الموجهة لحزب العدالة والتنمية، أو الصادرة في سياق السجالات السياسية عموماً، يؤكد أن الانتقال الديمقراطي السليم في المغرب يتطلب الانتقال من “سياسة الهوية والوصم” إلى “سياسة البرامج والمحاسبة”.
​إن نقد الأحزاب، بما فيها الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، هو حق وواجب وطني، شريطة أن ينصب على الأداء، التدبير، والمواقف السياسية، بعيداً عن أساليب الشيطنة والنبذ الفكري التي لا تزيد الفضاء العام إلا تشنجاً وتباعداً عن القضايا الحقيقية للمواطن المغربي.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.