محمد عصام يكتب: خلفيات اتهام العدالة والتنمية بالتشيع والشيوعية

محمد عصام


 

ما فاه به رئيس الجلسة العامة للأسئلة الشفهية أمس الإثنين في حق العدالة التنمية، بكونه تحوَّل إلى حزب “شيعي وشيوعي”!!!، يعتبر انزلاقا خطيرا يخدش صورة البرلمان والمؤسسات والبلد برمته.
لقد نصب رئيس الجلسة نفسه المنتمي للأسف للمعارضة ولحزب وطني كبير بتاريخه ورجالاته، قاضيا أو حاكما بأمره في محكمة تفتيش للعقائد والأفكار، ومنح لنفسه توزيع صكوك الغفران لمن شاء وحجبها عمن شاء، وتوزيع الاتهامات يمنة ويسرة في منظر سريالي، حوَّل موقع نيابة رئيس مجلس النواب للأسف إلى “مسخ” لا يشبه في شيء لا المغاربة ولا تاريخهم ولا دستورهم ولا مؤسساتهم.
وبالمناسبة فليست هذه هي المرة الأولى التي يقترف فيها هذا الكائن الذي عمَّر طويلا في البرلمان هذا النوع من الانحطاط، حيث إنه سبق له أن اتهم نفس المجموعة النيابية وحزب العدالة والتنمية بأنه حزب ماركسي على سنة لله ورسوله.
ولا يهمني أن أرد على الاتهام في مضمونه لأنه اتهام سخيف وتافه، ولا يشبه إلا من انحط إلى أقصى الحضيض واقترفه، بقدر ما يهمني أن أناقش من أين أتى هذا الكائن بكل هذه الصلافة ليقترف هذا الإسهال النتن؟ وما علاقة ذلك بالسياق الحالي الذي تمر منه البلاد؟
ولا أشك لحظة واحدة مع تكرار هذا الأسلوب من النائب ذاته، في أن ما قام به فعلٌ واعٍ ومقصودٌ وبسبق الإصرار والترصد، بغض النظر عن تراجعه عنه واعتذاره الرسمي عنه والذي جاء متأخرا وبعد رفع الجلسة وخضوع المعني بالأمر للضغوط وإصرار المجموعة النيابية في شخص نائب رئيسها الدكتور مصطفى إبراهيمي على عدم مرور هذا السلوك الأرعن، وأعتقد بكثير من الجزم أن هذه الواقعة هي امتداد لما وصل إليه حزب القوات الشعبية وهو يحتضر بين يدي كاتبه الأول المعمِّر إدريس لشكر.
فالرجلان يشتركان في الاسم الشخصي كما يشتركان في إصرارهم على بهدلة اسم الحزب في سوق السياسة وإيصاله إلى حال لا تسر الناظرين، فلا هو حزب في المعارضة ينعم بشرفها ولا هو في الأغلبية التي يتغزل ويتقرب منها، فيرفل في نعيم امتيازاتها ومواقعها.
لقد تحوَّل هذا الحزب رغم إصراره على إلصاق مسمى “المعارضة” بفريقه، متدبدبا لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، وفي اللحظات الحاسمة غالبا ما كان ينحاز إلى الأغلبية ويخدم أجندتها، وما فعله بخصوص ملتمس الرقابة لا يمكن قراءته إلا في إطار “البيع والشراء السياسي”.
ويبدو أن الكائن موضوع المقال قد أخذ جرعة زائدة من هذه الوصفة التي اختارها إدريس لشكر لحزبه، فأصبح يقدم خدمات أكثر من المطلوب منه ويزايد أكثر من غيره، وإلا بماذا يمكن أن نفسره هذا الاستهداف المتكرر للعدالة والتنمية من منصة رئاسة المؤسسة التشريعية.
أما في السياق، فيبدو أن حسابات الانتخابات المقبلة حاضرة بقوة، فالرجل يريد أن يخاطب جهة ما بأن لديه من “السفاهة” وخفة العقل واللسان ما يُغني تلك الجهة في الدخول في المواجهة المباشرة مع العدالة التنمية، إنه بكل وضوح يقدم “سيرته الذاتية في “البلطجة وقلة الذوق”، ليقوم بوظيفة المناولة في مهمة شيطنة العدالة والتنمية، ولم لا القتل الرمزي لهذا الحزب العريق بأصالة أطروحته، وهذا ما يفسر القذف بــ “شتائم” تستهدف العقائد وتشكك في المرجعيات.
وللتدقيق أكثر، فإني أقول بكل وضوح، أن الشطيبي يريد أن يجد له موقعا ضمن خريطة الأدوات الوظيفية التي تُجهِدُ نفسَها هذه الأيام في اقتراح وصفات موغلة في لغة الشيطنة بل بعضها وصلت به الحماسة إلى تبني خطاب استئصالي فج، حيث شهدنا مثلا أن منابر إعلامية مشبوهة التمويل والولاء معا، تفتح أبوابها لمن ينادي بحل الحزب هكذا وبجرة قلم، وتصوير أن في استمراره تهديدا للمؤسسات، كما شهدنا بعض الكائنات الأكاديمية التي اعتبرت ما أسمته بــ “إدخال العدالة والتنمية للأجندة الإعلامية خطرا استراتيجيا”، دون الحديث بطبيعة الحال على الحملات الرقمية المشبوهة والصفحات والذباب الإلكتروني الذي يستغل هوامش الحرية في الفضاء الرقمي والتواصل الاجتماعي، لنفث الأباطيل وصناعة الزيف وبيع الوهم للمغاربة.
في سياق مثل هذا، جاءت سقطة الشطيبي، لكن الذي يجب أن ينتبه له عقلاء هذا البلد من مختلف المشارب ومن مختلف المواقع الوظيفية والتمثيلية والفئوية، أن المغرب ليس في غنى كامل وتام عن مثل هذه الخطابات وهذه المسالك المهلكة، وأن لديه من الكسب التاريخي ما يعفيه من اجتراح مثل هذا الأساليب التي جُربت في مناطق أخرى وأنبتت الخراب والهلاك.
المغرب أيها العقلاء ليس بدون تاريخ وبلا عمق مؤسساتي وهوياتي، فهو تجربة ممتدة في التاريخ، نحتت تميزها بخياراتها المجَرَّبة والتي أثبتت ناجعتها وفاعليتها في الماضي وفي الحاضر، والمؤسَّسة على الاستيعاب وسعة الرحب لأبناء الوطن على اختلاف مشاربهم واختياراتهم، وإدارة الخلاف بطرق ديمقراطية مستوعِبة للجميع، في ظل سمو المؤسسة الملكية وفي إطار وظائفها الدستورية الواضحة وما راكمته من تجربة تاريخية متميزة وفريدة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.