سعادة بوسيف
في سياق سياسي يتسم بفتور المشاركة وتراجع منسوب الثقة في الفاعل الحزبي، أطلق حزب العدالة والتنمية سلسلة من اللقاءات التواصلية عبر مختلف جهات المملكة، يؤطرها الأمين العام للحزب وأعضاء الأمانة العامة وعدد من مناضليه وأطره. وقد تجاوزت هذه المبادرة بعدها التنظيمي الضيق لتتحول إلى ظاهرة سياسية وإعلامية استرعت انتباه المتابعين، وأثارت نقاشًا واسعًا حول موقع الأحزاب ودورها في إعادة إحياء المجال العمومي.
لقد أزعجت هذه الدينامية بعض الخصوم السياسيين، لكنها في المقابل أنعشت اهتمام فئات واسعة من المواطنين بالشأن العام، وأعادت السياسة إلى واجهة النقاش المجتمعي بعد سنوات من الانكفاء والتراجع. والأهم من ذلك أنها جعلت وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث لغة السياسة أكثر مما يتحدثها بعض السياسيين أنفسهم، حيث تحولت الهواتف النقالة إلى منصات إعلامية مؤثرة تواكب اللحظات العفوية واللقاءات الرسمية، وتنقل الرسائل والخطابات إلى جمهور واسع دون وسائط تقليدية.
ولعل أحد أبرز عناصر قوة هذه المبادرة يتمثل في اعتماد الحزب على سردية سياسية تستند إلى عرض الحصيلة وتقييم المنجزات. فقد انطلقت اللقاءات في استعراض ما يعتبره الحزب مكتسبات تحققت خلال فترة تدبيره للشأن العام، سواء في قطاعات المرأة والبنيات التحتية والإنتاجية والتعليم والصحة والعدالة وغيرها. ومن خلال المقارنة بين الماضي والحاضر، وجد جزء من الرأي العام نفسه أمام أسئلة جوهرية تتعلق بمآلات عدد من الإصلاحات والمكتسبات التي يرى الحزب أنها تعرضت للتراجع أو التجريف.
كما كشفت هذه اللقاءات عن جانب آخر من خصوصية التجربة التنظيمية للحزب، يتمثل في ما يمكن تسميته بـ”العصامية السياسية”. فالحزب يقدم نفسه كتنظيم يعتمد بدرجة كبيرة على موارده الذاتية في التأطير والتمويل والتواصل، وهو ما ينعكس على طبيعة خطابه وعلى مستوى تكوين أطره ومناضليه. ولم يكن مستغربًا أن يلفت انتباه المتابعين ذلك الحضور القوي لمناضلين لا يشغلون مواقع متقدمة في الواجهة السياسية، لكنهم حين يعتلون المنصات يقدمون مداخلات تجمع بين العمق الأكاديمي والقدرة التواصلية، وبين لغة الأرقام والوقائع ولغة القرب من هموم المواطنين.
إن هذه الظاهرة تطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المدرسة السياسية والتنظيمية التي أنتجت هذا الرصيد البشري، وحول أهمية الاستثمار في التكوين المستمر داخل الأحزاب باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء نخب سياسية قادرة على الإقناع والتأثير. كما تعيد إلى الواجهة قضية مركزية تتعلق بالعلاقة بين التنظيم الحزبي وقوة خطابه، إذ يبدو أن الأحزاب التي تراكم خبرات التأطير والتكوين تمتلك قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التحولات السياسية وتقلبات المشهد الانتخابي.
في المحصلة، لا يمكن اختزال ما يجري في مجرد جولات تواصلية عادية أو أنشطة حزبية موسمية، بل يتعلق الأمر بمحاولة لإعادة بناء الصلة بين السياسة والمجتمع، واستعادة النقاش العمومي حول الحصيلة والبرامج والاختيارات الكبرى. وسواء اتفق المراقب مع أطروحات حزب العدالة والتنمية أو اختلف معها، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذه الدينامية أعادت إلى الواجهة أسئلة السياسة الحقيقية: سؤال الإنجاز، وسؤال المحاسبة، وسؤال الكفاءة، وهي الأسئلة التي تشكل جوهر أي ممارسة ديمقراطية حية.
