بويغرومني تكتب: لا يواتيكم لباس الاحتجاج وأنتم أهل القرار

نعيمة بويغرومني


 

 

يا للعجب!
مسؤول حكومي يقف اليوم أمام المغاربة متعهداً بالقضاء على “الشناقة” وإنهاء “هيمنة الفراقشية”، وكأنه كان طوال السنوات الماضية في المعارضة، أو كأنه كان يتابع ما يجري من خلف زجاج معتم، لا من داخل حكومة تمتلك القرار والسلطة والإدارة والأغلبية!
أليس هذا هو المثل المغربي في أبهى تجلياته: “ضربني وبكى، سبقني وشكى”؟
ممن تشكو اليوم؟ ومن المسؤول عن هذا الواقع الذي تتحدث عنه؟ ومن الذي وعد المغاربة بحكومة الكفاءات؟ ومن الذي قدم نفسه بديلاً عن الفساد والريع والمضاربات؟ ألستم أنتم من كان يملك السلطة والقرار؟ ألستم أنتم من كان يفترض أن يضع حدا للفوضى إذا كانت لديكم الإرادة والقدرة؟
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يحاول إقناع المغاربة بأن المتحدث جزء من المشكلة فقط حين يكون في السلطة، لكنه يتحول فجأة إلى منقذ حين تقترب الانتخابات!
إذا كانت “الفراقشية” فعلاً تهيمن على الأسواق، وإذا كانت المضاربات تنهك جيوب المواطنين، فلماذا لم تُحارب وأنتم في قلب الحكومة؟ ولماذا لم تُفعل آليات المراقبة والزجر؟ ولماذا تُرفع اليوم الشعارات نفسها التي كان يفترض أن تتحول منذ سنوات إلى قرارات وإجراءات؟
إن المغاربة لا يحتاجون إلى وعود جديدة، بل إلى كشف حساب سياسي وأخلاقي. لا يحتاجون إلى خطب انتخابية، بل إلى أجوبة صريحة عن سنوات من الغلاء وتضارب المصالح وتنامي نفوذ الوسطاء والمضاربين… .
يبدو أن موسم الحصاد قد حل، وأن بعض المسؤولين اكتشفوا فجأة أن السفينة التي كانوا يصفونها بسفينة الكفاءات لم تعد قادرة على حمل أوزار الحصيلة الثقيلة، فبدأت محاولات القفز منها والبحث عن مخرج قبل وصولها إلى ميناء المحاسبة الشعبية.
لذلك، بلغوهم أن الذاكرة السياسية للمغاربة ليست قصيرة إلى هذا الحد…!
وبالتبع، بلغوهم انه مرفوض ومخجل وعار… على كل من شارك في صناعة الواقع القاتم للمغاربة ، أن يقدم نفسه اليوم ضحية له.. مهما بحت عقيرته تكلفا… ومهما تفنن في انتقاء تعابير “المظلومية”!
ولا يمكن لمن جلس على مقاعد القرار أن يرتدي فجأة لباس المحتج…لأنه لا يواتيه….
فالمسؤولية لا تُجزأ، والحكومة لا تتحول إلى معارضة نفسها كلما اقترب موعد الانتخابات.
وعليه، لقد تعب المغاربة من الوعود المؤجلة، ومن السياسي الذي يكتشف المشاكل بعد سنوات من تدبيرها، و سئموا من المسؤول الذي يتحدث عن الفساد وكأنه لم يكن جزءا من منظومة كان يملك داخلها سلطة الفعل والتغيير.
أما السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه، فهو بسيط جداً:
إذا كنتم لم تستطيعوا القضاء على “الفراقشية” وأنتم تملكون السلطة اليوم، فبأي معجزة ستقضون عليها غداً؟
وهل المطلوب من المواطن أن يمنحكم أصواته مرة أخرى لكي تعالجوا المشاكل التي كان واجبكم أن تعالجوها منذ الأمس؟!
هذا منطق أحور يحيلنا على البيت الشعري ، ولله ذر من قاله:
لكل داء دواء يُستطب به..
إلا الحماقة أعيت من يداويها

وبكلمة، إن السياسة ليست فن صناعة الوعود، بل فن الوفاء بها.
أما أن يتحول المسؤول إلى معارض لحصيلته، وأن يهاجم نتائج السياسات التي شارك في صنعها، وكان يبتسم منتشيا وهو يوقع على قوانينها… وحين يطلب من المواطن تفويضا جديدا لإصلاح ما أفسده التفويض القديم، فاعلم ببساطة ان الحملة الانتخابية في المغرب قد بدأت… واعلم أن حمى المواقع قد أصابت العقول كما القلوب…
أما المغاربة، فقد لا يسألونكم عما ستفعلونه غدا، بل عم فعلتموه بالأمس… والامس لا يكذب، ولا ينسى ولا يجامل… فلا تستبلدوهم بوعود ممهورة ببصمة البلادة !
وبمعنى آخر “لا يواتيكم لباس الاحتجاج، وأنتم اهل القرار”.. وبالعربية الدارجة”مواتاكمش الدور”

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.