حسن حمورو
من يقرأ تاريخ “التجمع الوطني للأحرار”، يدرك بسرعة أنه ليس حزبا سياسيا بالمعنى التقليدي الذي تأسست عليه الأحزاب الحديثة، فلا هو حزب وُلد من رحم فكرة كبرى، ولا هو تنظيم تشكل حول مرجعية فكرية، أو مشروع مجتمعي واضح.
لقد كان منذ البداية إطارا لتجميع نخب مختلفة، وحراس مصالح متباينة وحساسيات متعددة، استطاعت أن تلتقي تحت سقف واحد، ما دامت الظروف السياسية سمحت بذلك، سنة 1978، على يد أحمد عصمان، الذي كان حينها وزيرا أولا، مدعوما بحوالي 144 نائبا برلمانيا ولجوا البرلمان في انتخابات 1977 كمرشحين مستقلين.
لهذا السبب، لم تكن الأزمات التي عرفها الحزب عبر تاريخه، أزمات برامج أو أفكار، بل كانت في الغالب أزمات توازنات ومواقع ونفوذ.
وعندما عرف الحزب أول انشقاق كبير في بداية الثمانينيات، عندما غادره أرسلان الجديدي، واسس الحزب الوطني الديمقراطي، لم يكن المغرب يعيش وضعا عاديا، حيث كانت البلاد تواجه تداعيات أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وكانت السياسات المرتبطة بالتقويم الهيكلي تفرض أثمانا اجتماعية باهظة، فيما كانت الاحتجاجات الاجتماعية تتوسع وتشتد.
وفي مثل تلك الأجواء المضطربة، لم يكن مستغربا أن تصل ارتدادات الأزمة إلى داخل الحزب الذي تأسس أصلا على التوازنات، أكثر من تأسسه على القناعات الفكرية والسياسة المشتركة.
أما الانشقاق الثاني، الذي تزعمه عبد الرحمان الكوهن، عندما غادر التجمع واسس حزب الإصلاح والتنمية سنة 2001، فقد جاء في سياق مختلف، لكنه أكد القاعدة نفسها، إذ لم يكن الأمر خلافا حول مشروع سياسي أو رؤية للمغرب، بل كان تعبيرا عن أزمة داخلية مرتبطة بطريقة تدبير الحزب، والانتقال به من مرحلة إلى أخرى، بعد عقود من هيمنة أحمد عصمان على قيادته، ودخول المغرب لما سمي حينها بالعهد الجديد.
غير أن أهم ما يميز “التجمع الوطني للأحرار”، هو أنه تعلم من تلك التجارب، فمنذ ذلك الوقت لم يعد يسمح للأزمات بأن تتطور إلى انشقاقات واسعة، بل أصبح يلجأ إلى وصفة أخرى أكثر نجاعة بالنسبة إليه، قوامها تغيير القيادة، كلما أصبحت كلفة استمرارها أكبر من كلفة استبدالها.
هكذا تم الانتقال من أحمد عصمان إلى مصطفى المنصوري سنة 2007، ثم من المنصوري إلى صلاح الدين مزوار سنة 2010، وبعده إلى عزيز أخنوش سنة 2016.
كانت الوجوه تتغير كلما استدعت المرحلة ذلك، لكن طبيعة الحزب ظلت كما هي، فالمطلوب لم يكن تغيير المشروع، لأن المشروع السياسي أصلا ليس هو العنصر الحاسم في وجود الحزب، بل كان المطلوب دائما إعادة ترتيب مراكز النفوذ وحماية التوازنات التي تضمن استمراره.
ولعل أبرز مثال على ذلك، ما وقع مع صعود حزب الأصالة والمعاصرة، الذي شكل في مرحلة معينة قوة سياسية صاعدة، كادت تبتلع جزءا كبيرا من المشهد الحزبي، ويومها وجد “التجمع الوطني للأحرار” نفسه أمام اختبار صعب، لكن الحل لم يكن الانقسام ولا المواجهة الداخلية، بل إعادة ترتيب البيت من الداخل، وتقديم قيادة جديدة قادرة على تدبير المرحلة، فكان اختيار صلاح الدين مزوار، لكن عندما فشل الرهان، أو بعدما تبين أن موازين القوى في المشهد السياسي والاقتصادي الوطني تغيرت، وبات استمرار مزوار مكلفا ومهددا لاستمرار الحزب، جيء بعزيز أخنوش سنة 2016.
اليوم، يبدو أن الحزب يوجد أمام وضع لا يقل تعقيدا، فبعد سنوات من قيادة عزيز أخنوش للحزب والحكومة، لم يعد ممكنا تجاهل حجم التآكل الذي أصاب الصورة السياسية للحزب، فوعوده الانتخابية الكبيرة، لم تجد طريقها إلى التنفيذ بالشكل الذي انتظره المواطنون، وارتفاع الأسعار أرهق القدرة الشرائية، وتزايدت مظاهر الاحتقان الاجتماعي، فيما أصبحت الحكومة تواجه انتقادات متصاعدة حتى من داخل بعض مكوناتها.
وفي مثل هذه الظروف تبدأ الأسئلة المؤجلة في الظهور، هل ما يزال التجمع قادرا على المحافظة على تماسكه بالصيغة نفسها؟ وهل تستطيع مختلف المكونات التي اجتمعت داخله حول رهان السلطة والنجاح الانتخابي، أن تستمر بالدرجة نفسها من الانسجام، عندما تتراجع مؤشرات النجاح وتتزايد كلفة البقاء؟
لا توجد إلى حدود الآن مؤشرات واضحة على انشقاق وشيك، لكن المؤكد أن البيئة التي تنمو فيها الانشقاقات أصبحت أكثر حضورا مما كانت عليه قبل سنوات، ولذلك قد يكون من المبكر الحديث عن انفجار تنظيمي، لكنه ليس مبكرا للحديث عن محاولات استباقية لتفاديه.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري داخل الحزب خلال المرحلة الأخيرة، فبروز محمد شوكي في موقع القيادة التنظيمية، وتراجع حضور عدد من الوجوه التي طبعت المرحلة السابقة، لا يبدو مجرد إعادة انتشار تنظيمية، فقد يكون الأمر جزءا من عملية إعادة تموقع داخلية، تهدف إلى تدبير مرحلة ما بعد الاستنزاف السياسي الذي لحق صورة الحزب وصورة “مُجمّعه” في المرحلة الأخيرة.
بمعنى آخر، قد يكون الحزب بصدد اللجوء إلى الوصفة نفسها التي أنقذته في محطات سابقة، وهي تأجيل الانشقاق عبر تغيير الواجهة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو ما إذا كانت هذه الوصفة ما تزال صالحة كما كانت في الماضي، فالمشكلة هذه المرة لا تتعلق فقط بقيادة الحزب، بل ترتبط بحصيلة حكومة كاملة وبصورة سياسية تشكلت لدى الرأي العام خلال سنوات من التدبير الحكومي والجماعي المحلي.
ولهذا قد يكون التحدي الذي يواجه “التجمع الوطني للأحرار” اليوم مختلفا عن كل التحديات السابقة، لأن تغيير الوجوه قد ينجح في تدبير أزمة تنظيمية، لكنه لا يكفي دائما لمعالجة أزمة ثقة سياسية.
وهنا بالضبط يكمن السؤال الحقيقي، هل ينجح الحزب مرة أخرى في إعادة إنتاج نفسه كما فعل في السابق، أم أن لحظة تغيير الواجهات دون تغيير السياسات تقترب من نهايتها؟
