التحدي البنيوي للممارسة السياسية
يشكل المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية نموذجاً سوسيولوجياً معقداً، حيث تتصادم بنيات “الجهوية المتقدمة” كخيار استراتيجي للدولة، مع موروثات سوسيولوجية وهياكل اقتصادية قائمة على “الريع”. إن الأزمة التي يمر بها الحقل السياسي في المنطقة ليست مجرد تراكم لأخطاء تدبيرية، بل هي أزمة “نموذج” (Paradigm Crisis)، حيث يعاني الفعل السياسي من هيمنة منطق المصالح الفردية على منطق البرامج الجماعية.
أولاً: اقتصاد الريع كآلية لضبط الولاءات
تعتبر الظاهرة الريعية في الصحراء المحدد الجوهري الذي يوجه سلوك الفاعلين السياسيين. في سياق يغيب فيه قطاع صناعي أو إنتاجي متحرر من الدعم العمومي، تتحول “الرخص” والامتيازات الاقتصادية إلى عملة سياسية.
الزبونية السياسية: يتحول الفعل الانتخابي من ممارسة ديمقراطية تهدف لتقديم البدائل، إلى “مقايضة” انتخابية. يجد الفاعل السياسي نفسه مضطراً لربط قاعدته الانتخابية بمستوى قدرته على تأمين الوصول إلى الموارد.
التأثير: هذا النمط يؤدي إلى “تأميم الولاءات”، حيث يغيب الانتماء الطوعي للحزب، ليحل محله ولاء وظيفي مرتبط بمدى قدرة الحزب (أو القيادة الحزبية) على توفير الحماية أو الامتيازات الاقتصادية.
ثانياً: “أثننة” السياسة وتحول النخب (المال في خدمة القرار)
شهد العقد الأخير تحولاً جذرياً في طبيعة الفاعل السياسي؛ حيث تراجع دور “الوجيه التقليدي” (الشيخ/الزعيم القبلي) لصالح “رجل الأعمال السياسي”.
الاستثمار في المقعد: أصبح دخول المعترك السياسي استثماراً رأسمالياً بامتياز. هذا التحول أدى إلى “خصخصة السياسة”، حيث تُدار الحملات الانتخابية بمنطق “المشروع التجاري” (ROI – العائد على الاستثمار).
المخاطر المؤسساتية: عندما يتولى رجال الأعمال مركز القرار، تذوب الحدود الفاصلة بين “المصلحة العامة” (التشريع/الرقابة) و”المصلحة الخاصة” (تطوير الأعمال/الريع). هذا التداخل يفرغ المؤسسات المنتخبة من وظيفتها الأصلية في الترافع عن قضايا التنمية، ويحولها إلى فضاءات لتقسيم النفوذ والمكاسب.
ثالثاً: الترحال الانتخابي كعَرَض لغياب الهوية الحزبية
يعد “الترحال السياسي” في الصحراء ظاهرة بنيوية تعبر عن هشاشة النظام الحزبي. إن الأحزاب في المنطقة، في أغلبها، لا تعمل كمدارس لتكوين الأطر أو كحاملات لمشاريع مجتمعية، بل كـ “أوعية انتخابية” مؤقتة.
تغليب التكتيك على الاستراتيجية: الترحال ليس خيانة لمبادئ، لأن المبادئ أصلاً غير حاضرة في العقد الانتخابي، بل هو “مناورة تكتيكية” تهدف إلى القفز على مركب “الحزب الفائز” (الحزب الذي يمتلك التزكية أو يضمن الفوز).
تآكل الثقة: هذه الظاهرة تعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسة. فالناخب يدرك أن صوته ليس أداة للتغيير، بل هو مجرد “رقم” في صفقة ينتقل فيها السياسي من ضفة إلى أخرى، مما يولد عزوفاً سياسياً متزايداً لدى الفئات الشابة والواعية
نحو أفق مؤسساتي
إن الأزمة الراهنة هي نتاج تلاقح ثلاثة عوامل: الريع (الاقتصاد)، المال (النخب)، والترحال (الممارسة). للخروج من هذا المأزق، لا تكفي المقاربات القانونية الزجرية، بل يتطلب الأمر ما يمكن تسميته بـ “الإصلاح البنيوي للممارسة”:
المأسسة (Institutionalization): الانتقال من “حزب الأشخاص” إلى “حزب المؤسسات”، حيث تُبنى القرارات داخل هياكل ديمقراطية، وليس في الغرف المغلقة.
الاستقلالية الاقتصادية للعمل السياسي: تحصين الممارسة السياسية عبر فصل المال عن السلطة، وتشجيع نخب جديدة لا ترتهن في وجودها المادي بامتيازات الريع.
تجديد النخب: الرهان على الفاعلين الذين يؤمنون بأن العمل الحزبي هو “ترافع قيمي” وليس “مهمة إدارية” أو “صفقة تجارية”.
إن تجاوز هذه الظاهرة هو المدخل الحقيقي لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة، وضمان أن تكون المؤسسات المنتخبة صوتاً حقيقياً لساكنة الصحراء، لا مجرد واجهات لإدارة المصالح
