بنونة يكتب: من أجل أن يكون تصميم تهيئة تطوان مدخلاً حقيقياً لإعادة بناء المشروع الحضاري والاقتصادي والاجتماعي للمدينة
عادل بنونة
اجتماع اللجنة التقنية المحلية المنعقد بتاريخ 29 يونيو 2026 بمقر عمالة إقليم تطوان لتدارس مشروع تصميم تهيئة المدينة العتيقة جاء في لحظة مفصلية، ليس فقط لأنه يتعلق بإعداد وثيقة تعميرية جديدة، وإنما لأنه يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمستقبل مدينة مصنفة ضمن التراث العالمي منذ سنة 1997، وما إذا كانت هذه الوثيقة ستكون مجرد إطار تنظيمي جديد، أم مدخلاً حقيقياً لإعادة بناء المشروع الحضاري والاقتصادي والاجتماعي لتطوان .
فالمدينة العتيقة لتطوان لا يمكن حصرها فقط كمجرد نسيج عمراني أو مجموعة من المباني التاريخية، وإنما منظومة متكاملة تجمع بين الإنسان والمكان والذاكرة والاقتصاد والثقافة. لذلك فإن أي تصميم للتهيئة لا ينبغي أن ينظر إلى المدينة باعتبارها مجالاً عمرانياً فقط، بل باعتبارها فضاءً حياً تتداخل فيه الاعتبارات التراثية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياحية.
ورغم المجهودات الكبيرة التي عرفتها المدينة من خلال البرنامج الملكي لإعادة التأهيل في مرحلتيه (2011-2014) و(2019-2023)، والاعتمادات المالية المهمة التي تجاوزت 665 مليون درهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحت هذه الاستثمارات في إعادة الحياة إلى المدينة العتيقة، أم أن جزءاً كبيراً منها اقتصر على ترميم الحجر دون إعادة الاعتبار للإنسان والوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للمكان؟
الواقع الميداني يكشف أن المدينة ما تزال تعيش مفارقة واضحة؛ فقد تحسنت بعض البنيات العمرانية، غير أن الاختلالات البنيوية ما تزال قائمة، بل تفاقمت في بعض المجالات.
فالمئات من المنازل والكثير من الرياضات التاريخية أصبحت مهددة بالانهيار مما سبب في هجرة متواصلة لمالكيها وذلك يعود لضعف برامج التحفيز على إعادة التأهيل والسكن، بالإضافة أغلقت مئات المحلات التجارية أبوابها في أحياء تاريخية مثل السويقة، والخرازين، والنيارين، والسوق الفوقي، وباب المقابر المطامر …الأمر الذي أفقد المدينة جزءاً مهماً من ديناميتها الاقتصادية، وحول بعض فضاءاتها إلى مناطق شبه مهجورة.
في المقابل، توسعت مظاهر الاقتصاد غير المنظم واحتلال الملك العام، والعرض العشوائي للسلع ( سوق الطرافين نموذجا )وانتشرت أنشطة لا تنسجم مع القيمة التاريخية للمدينة، خصوصاً في فضاءات الطرنكات، وباب التوت، والمصداع، وباب النوادر، حيث أصبحت محلات بيع الدجاج الحي والأسماك ومخلفاتها مصدر تلوث بصري وبيئي وصحي، يتنافى مع مكانة المدينة كتراث عالمي.
كما أن المدينة العتيقة تعاني خصاصاً واضحاً في الخدمات الأساسية؛ نقص ملحوظ في مرافق صحية عمومية كافية، عدم تواجد لعيادات طبية، ولا وكالات بنكية، ولا مكاتب للخدمات القانونية أو الإدارية، نقص كبير في الـفضاءات الخاصةللأطفال أو للشباب، وهو ما يجعلها فضاءً يفتقد إلى مقومات العيش اليومي، ويحولها تدريجياً إلى مجال للزيارة العابرة بدل أن تكون مجالاً للإقامة والاستثمار.
ومن أبرز مظاهر الأزمة أيضاً تراجع الحرف التقليدية التي شكلت هوية المدينة عبر قرون، مثل الدباغة والخرازة والدرازة وصناعة الحصير والحلي ….إضافة إلى إغلاق العديد من الأفران والحمامات والفنادق التقليدية، في غياب برامج حقيقية لحماية التراث اللامادي وربطه بالاقتصاد الثقافي والسياحي.
ولا يقل خطورة عن ذلك استمرار تعطيل مرافق ثقافية تم تأهيلها بكلفة مالية مهمة، من قبيل المسرح الوطني بالمصلى دار زيو زيو التي تم اقتناؤها من طرف مجلس جماعة تطوان والتي طالها النسيان واستغلال فضاءات ذات حمولة تاريخية بطريقة لا تنسجم مع رمزيتها الثقافية ( دار البومبا ) وهو ما يطرح سؤال الحكامة وآليات التتبع بعد انتهاء مشاريع التأهيل.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب التمويل، بل في غياب رؤية مندمجة لتدبير المدينة العتيقة. فالتدخلات ظلت في الغالب قطاعية ومتفرقة، بينما تحتاج المدينة إلى نموذج حكامة خاص، يجمع مختلف المتدخلين ضمن رؤية موحدة، ويضمن الاستمرارية والتقييم والمساءلة.
ومن هنا، فإن مشروع تصميم تهيئة المدينة العتيقة لا يمكن اختزاله في مجرد وثيقة تقنية للتعمير، بل كأداة لتنزيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة بحماية التراث الثقافي والعمراني. فقد نص دستور المملكة لسنة 2011، في ديباجته، على صيانة مقومات الهوية المغربية الموحدة والغنية بتعدد روافدها الحضارية، وجعل من التراث الثقافي أحد عناصرها الأساسية. كما أكد الفصل 31 التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الولوج إلى الثقافة، وهو حق لا ينفصل عن حماية الفضاءات التاريخية وصيانتها وإحيائها. وينص الفصل 35 كذلك على أن الدولة تضمن تحقيق التنمية المستدامة، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد والتراث، في حين يؤكد الفصل 136 أن التنظيم الترابي للمملكة يرتكز على مبادئ التدبير الحر، والتضامن، والتعاون، بما يضمن مشاركة السكان في إعداد وتتبع برامج التنمية. كما يكرس الفصل 139 المقاربة التشاركية، من خلال إحداث آليات للحوار والتشاور مع المواطنات والمواطنين والجمعيات، وإشراكهم في إعداد برامج التنمية وتتبعها، وهو ما يجعل إشراك ساكنة المدينة العتيقة ومنتخبيها بجماعة تطوان والمهنيين والحرفيين وجمعيات المجتمع المدني في إعداد تصميم التهيئة التزاماً دستورياً، وليس مجرد اختيارتدبيري وإلى جانب المرجعية الدستورية، فإن مشروع تصميم التهيئة ينبغي أن ينسجم مع الإطار القانوني الوطني المنظم لحماية التراث والتعمير، وفي مقدمته القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات والتحف الفنية والعاديات، كما تم تتميمه وتعديله، والذي يقر بضرورة حماية الموروث التاريخي وصيانته وتثمينه، إضافة إلى القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي أسند للجماعات الترابية اختصاصات في مجال المحافظة على التراث الثقافي والمعماري وتثمينه، ضمن رؤية للتنمية المستدامة. كما أن التزامات المملكة المغربية بموجب اتفاقية اليونسكو لسنة 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي تفرض اعتماد مقاربة متكاملة توازن بين متطلبات الحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية للمدينة العتيقة لتطوان، وضمان استمرارها فضاءً نابضاً بالحياة والتنمية.
تطوان الآن عليها أن تؤسّس لوثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة، ترتكز على مبادئ الحفاظ على التراث كما أقرتها المواثيق الدولية، وعلى مقتضيات التشريع الوطني المتعلق بالتعمير، مع اعتماد مقاربة تشاركية تجعل الساكنة والمهنيين والحرفيين والمجتمع المدني شركاء حقيقيين في صناعة القرار.
ومن بين الأولويات التي ينبغي أن يتضمنها التصميم الجديد:
* إحداث هيئة دائمة ومستقلة لتدبير المدينة العتيقة، تتمتع بالاختصاصات اللازمة للتنسيق بين مختلف المتدخلين، وتكون مسؤولة عن التتبع والتقييم.
* إعداد برنامج استعجالي لإنقاذ الدور الآيلة للسقوط، مع توفير الترخيص للأسر المتضررة ومعها آليات تمويل وتحفيز للمالكين لإعادة التأهيل وفق الضوابط المعمارية الأصيلة.
* تنظيم الأنشطة التجارية وإعادة توزيعها بما يحفظ جمالية المدينة، مع نقل الأنشطة الملوثة إلى الأسواق النموذجية المؤهلة خارج أسوار المدينة العتيقة، وإعادة الاعتبار للسوق المركزي والأسواق النظامية.
* إطلاق برنامج لإعادة فتح المحلات التجارية المغلقة عبر تحفيز الاستثمار في الصناعات التقليدية والمنتجات المحلية، وربطها بمسارات سياحية وثقافية.
* إعادة إحياء الحرف التراثية المهددة بالاندثار، من خلال مراكز للتكوين والدعم والتسويق، وربطها بالاقتصاد الإبداعي.
* تأهيل الدور والرياضات التاريخية وتحويلها إلى دور ضيافة وفضاءات ثقافية ومتاحف ومراكز للإبداع، بما يخلق فرص شغل ويعيد الحياة إلى الأحياء التاريخية.
* توفير خدمات القرب الأساسية داخل المدينة، من مرافق صحية، وخدمات إدارية، وفضاءات للأطفال، وولوجيات للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يضمن حق الساكنة في مدينة قابلة للعيش.
* تفعيل الفضاءات الثقافية المعطلة، وإحياء تقاليد الحلقة والموسيقى الأندلسية ….تجعل الثقافة رافعة للتنمية الاقتصادية.
* اعتماد منظومة صارمة لحماية الملك العام ومحاربة الاحتلال العشوائي ، مع احترام حقوق التجار عبر حلول بديلة تحفظ النظام والجمالية.
إن نجاح تصميم التهيئة لن يقاس بعدد الخرائط أو المقتضيات التنظيمية التي يتضمنها، وإنما بقدرته على إعادة الإنسان إلى قلب المشروع، وإعادة الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمدينة العتيقة، باعتبارها فضاءً للعيش والإنتاج والإبداع، لا مجرد متحف مفتوح
فالمدن التاريخية تُحفظ بترميم الجدران وكذلك بصيانة وظائفها، واستمرار سكانها، وحيوية اقتصادها، وتنوع أنشطتها، وحضورها الثقافي.
وإذا كانت تطوان قد حظيت بشرف تصنيفها ضمن التراث العالمي، فإن هذا التصنيف ليس امتيازاً رمزياً فحسب، بل مسؤولية وطنية ودولية تقتضي اعتماد حكامة جديدة، وتخطيطاً عمرانياً متقدماً، وسياسات عمومية مندمجة تجعل من المدينة العتيقة نموذجاً للتوفيق بين حماية التراث وتحقيق التنمية المستدامة.
واليوم، وبعد اجتماع اللجنة التقنية المحلية، تبدو الفرصة سانحة للانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى منطق المشروع الحضاري الشامل. فإما أن يشكل تصميم التهيئة نقطة تحول حقيقية تعيد للمدينة العتيقة روحها ومكانتها وإشعاعها، وإما أن يضاف إلى سلسلة الوثائق التي بقيت حبيسة الرفوف، بينما يستمر الزمن في استنزاف ذاكرة مدينة تعد من أجمل مدن البحر الأبيض المتوسط وأكثرها غنىً بالتاريخ والهوية .
