من أيت بوكماز إلى أكوراي… حين تحضر النساء تحضر أسئلة الإصلاح

سعادة بوسيف


ليست السياسة ما يُقال فوق المنصات فقط، بل ما تكشفه الوجوه التي تختار أن تحضر، وأن تستمع، وأن تناقش، وأن تجعل من المشاركة فعلًا من أفعال الأمل. ومن بين أكثر المشاهد دلالة خلال القافلة التواصلية التي قادها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران عبر مختلف جهات المملكة، ذلك الحضور النسائي اللافت، كماً ونوعًا، في المهرجانات واللقاءات المفتوحة.

ولم يكن هذا الحضور مجرد استجابة لدعوة حزبية، ولا يمكن اختزاله في الانتماء التنظيمي، لأن كثيرًا من النساء اللواتي ملأن القاعات لا تجمعهن بالضرورة عضوية الحزب، وإنما يجمعهن معه همّ الإصلاح، والبحث عن خطاب سياسي يعيد الاعتبار للإنسان، وينصت لمعاناة الأسر، ويستحضر كرامة المواطن قبل الاستحقاقات الانتخابيه.

لقد أثبتت المرأة المغربية، في السنوات الأخيرة، أنها تجاوزت موقع المتفرج على الفعل السياسي، لتصبح فاعلًا أساسيًا فيه. فهي تدرك أن السياسة ليست صراعًا على المواقع، وإنما هي القرار الذي يحدد جودة المدرسة التي يدرس فيها أبناؤها، والمستشفى الذي تقصده، والطريق التي تسلكها، وفرصة الشغل التي ينتظرها شبابها، ومستقبل الأسرة التي تحمل همها كل يوم.

من هنا، فإن حضور النساء في الفضاء السياسي ليس بحثًا عن الفرجة، بل بحثًا عن الجواب. وهو، في تقديري، مؤشر على أن جذوة الثقة في إمكانية الإصلاح ما تزال حية داخل المجتمع، رغم ما أصاب الحياة السياسية من فتور، وما عمّقته السياسات الحكومية منذ سنة 2021 من شعور بالإحباط لدى فئات واسعة من المواطنات والمواطنين، بسبب اتساع الفوارق الاجتماعية، وغلاء المعيشة، وتراجع الإحساس بجدوى الوساطة السياسية.

وخلال المحطات التي جابت مختلف ربوع الوطن، كانت النساء يحملن الأسئلة نفسها، وإن اختلفت الجغرافيا. في الجبل كما في السهل، وفي القرية كما في المدينة، حضرت مطالب الصحة والتعليم، والنقل، والتشغيل، والعيش الكريم، وحماية الأسرة، والعدالة المجالية. كانت النساء يتحدثن بلسان الأمهات اللواتي يخشين على مستقبل أبنائهن، وبصوت المواطنات اللواتي يردن دولة تصل بخدماتها إلى الجميع، لا إلى المركز وحده.

ومن هنا، لا يمكن قراءة ما شهدته أيت بوكماز، أو فجيج، أو غيرهما من ربوع الوطن، خارج هذا السياق الوطني العام. فالنساء اللواتي يملأن فضاءات الحوار والمهرجانات السياسية، هن أنفسهن اللواتي قد يجدن أنفسهن مضطرات إلى الاحتجاج حين يغيب الإنصات وتتأخر الاستجابة. فالفرق ليس في طبيعة المطالب، وإنما في الوسيلة التي يُعبَّر بها عنها.

إن المرأة المغربية لا تبحث عن مواجهة مع الدولة، بل عن دولة أقرب إلى مواطنيها. لا تطلب امتيازات خاصة، وإنما تطالب بحقوق يكفلها الدستور، وسياسات عمومية منصفة، وتنمية لا تستثني الجبل ولا العالم القروي ولا الأحياء الهامشية. إنها تدافع عن المدرسة لأنها تدافع عن مستقبل أبنائها، وعن المستشفى لأنها تدافع عن الحق في الحياة، وعن فرص الشغل لأنها تدافع عن كرامة الأسرة واستقرارها.

ولعل الرسالة الأهم التي يحملها هذا الحضور النسائي المتزايد هي أن المجتمع لم يفقد إيمانه بالإصلاح، ولم يستسلم لمنطق اليأس أو العزوف، بل ما يزال يبحث عن فاعل سياسي يصدقه القول ويصدقه الفعل، ويؤمن بأن الإصلاح مسؤولية جماعية لا شعارًا انتخابيًا عابرًا.

فالنساء اللواتي يحضرن اللقاءات السياسية لا يبحثن فقط عن منتخب، وإنما عن رجل دولة ومسؤول نزيه يشعر بثقل الأمانة، ويدرك أن التنمية لا تنفصل عن الديمقراطية، وأن الديمقراطية نفسها لا تستقيم إلا بالإنصات الحقيقي للمواطنين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص، وصيانة الإرادة الشعبية. كما يدرك أن الطريق إلى مغرب قوي يبدأ من المدرسة، والمستوصف، والطريق، وفرصة الشغل، قبل أن يقاس بحجم الأوراش الكبرى.

ولهذا، فإن الإقبال النسائي المتزايد على مهرجانات العدالة والتنمية يستحق أن يُقرأ باعتباره ظاهرة سياسية ومجتمعية ذات دلالة عميقة. فهو يعكس وجود شريحة واسعة من المغربيات ما تزال تؤمن بأن الإصلاح ممكن، وأن العمل السياسي النزيه ما يزال قادرًا على استعادة الثقة، متى جعل هموم المواطنين منطلقًا له، لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.

فالمرأة المغربية لا تصنع المشهد السياسي بعدد المقاعد التي تشغلها فقط، وإنما بما تحمله من وعي ومسؤولية وأسئلة. وأسئلتها اليوم ليست أسئلة فئوية أو حزبية، بل أسئلة وطنية كبرى: كيف نصون كرامة الأسرة؟ كيف نوقف نزيف الهدر المدرسي؟ كيف نجعل العلاج حقًا لا امتيازًا؟ كيف نعيد الأمل إلى الشباب؟ وكيف نحقق عدالة مجالية تجعل المغربي، أينما كان، يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق؟

من أيت بوكماز إلى أكوراي، تؤكد المرأة المغربية أنها لم تعد تنتظر من يتحدث باسمها، بل أصبحت تتحدث بنفسها، وتشارك، وتحتج، وتقترح، وتراقب. وذلك في حد ذاته مكسب ديمقراطي، ورسالة إلى كل الفاعلين السياسيين مفادها أن مستقبل الإصلاح لن يُكتب إلا بالشراكة مع النساء، وبالإنصات إلى أصواتهن، لأنها أصوات تنطق باسم الأسرة، وباسم الوطن، وباسم مغرب يتسع للجميع.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.