محمد عصام
كلما اقترب موعد أي استحقاق انتخابي إلا ودخل المشهد السياسي الوطني مرحلة من السريالية وقتل المعنى لا نظير لها، وبدأت أغلب الأحزاب في تسخين “ميركاتو” هجين، يتم فيه تبادل ” الكائنات الانتخابية” وإعادة صبغها بألوان جديدة لمدارة قبح تلك الكائنات وتغطية إفلاس الأحزاب السياسي في صيغة ينطبق عليها وصف ” ضعف الطالب والمطلوب.
والأمر لا يتعلق فقط بالدكاكين السياسية التي أصبحت هذه العادة القبيحة من هواياتها المفضلة، بل أسلوبا ممنهجا لا تحيد عنه قيد أنملة، ولا تزيغ عنه، ولكن انتقلت هذه العدوى إلى بعض الأحزاب ذات التاريخ والماضي المقدر، بدعاوي موغلة في الاستبلاد وانتاج اللامعنى، حيث يُتوسل لتبرير هذا الحضيض بدعوى أن الغاية تبرر الوسيلة.. ومنذ متى كانت السياسة بلا غاية نبيلة ولا هدف سام ولا مشروع يستحق المكابدة من أجله.
إن الترحال الانتخابي الذي يشبه “الانتجاع” والبحث عن الكلأ/ الأصوات، ليس طارئا على المشهد السياسي المغربي، بل أكاد أجزم أنه عطب بنيوي يعوق التحول الديمقراطي ويضرب في مصداقية العملية الانتخابية، ويفقدها مضمونها ويساهم في تبخيسها ونزع المصداقية فيها وفي مخرجاتها.
فمن العبث الجلي أن تكون نفس الكائنات التي ارتبطت بممارسات مشينة تتجول بين الأحزاب ذات اليمين وذات الشمال، ويتم تدويرها كل مرة بلون سياسي معين، ولكن بنفس المضمون ونفس الممارسات والمنهج، وننتظر من المواطن أن يثق في العمل السياسي، وأن يتحمل مسؤوليته في التصويت والانتخاب.
المسؤولية هنا تتحملها الأحزاب أولا، لأنها قبلت على نفسها أن تتحول إلى ” مناديل” يتم عبرها مسح جرائم تلك الكائنات في حق السياسة والديمقراطية وفي حق البلد برمته، وإعادة تدويرها في سوق ” النخاسة السياسي”.
الأحزاب السياسية بتفريطها في استقلالية قرارها، وبإمعانها في تجريد نفسها من كل هوية سياسية واضحة واختيارات ايديولوجية حاكمة، وتهافتها المرضي على المقاعد بأي ثمن أو وسيلة، حولت نفسها للقمة سائغة لكل من هب ودب.
والدولة تتحمل المسؤولية ثانيا عن هذا الوضع، فتاريخيا الإدارة هي من استثمر في خلق هذه النخب العابرة للأحزاب والتي تتموقع فوق السياسة، وعوَّلت عليها في تقليم أظافر الأحزاب الجادة، بل إنها كثيرا ما كانت تبني عليها استراتيجات التحكم في المشهد وضبط مخرجاته، بما يحفظ مصالح فئات معينة، بعيد عن الإرادة الشعبية التي يجب أن تكون الحكم والفيصل في معركة الديمقراطية التي طال انتظار تحولنا النهائي صوبها.
لقد ارتبط المشهد السياسي المغربي دوما بلازمة” الله انصر من صبح”، وكانت الإشارات تأتي من الإدارة لتحديد ” فارس المرحلة” الذي يجب الرهان عليه، فتأتي مواسم الهجرة المفتوحة لأحضان هذا الفارس، محملةً بكل ” نطيحة ومتردية وما أكل السبع” من مؤثثي المشهد.. لكن المحصلة للأسف هي مزيد من قتل السياسية، وتفاقم انعدام الثقة اتجاه السياسة برمتها، بما فيها من أحزاب ونخب وانتخابات.
هذا العبث لا يمكن أن ينتهي إلا بالتخلص من هذه الرهانات الضيقة والحسابات الصفرية، وإعادة كتابة مضمون السياسة في هذا البلد، طبقا لما تقتضيه رهاناته الحقيقية في الديمقراطية والتنمية، باعتبارهما أمران متلازمان، وباعتبار السياسة الحقيقية هي المدخل الوحيد نحوهما.. وفي انتظار ذلك فالبؤس سيبقى لصيقا بالمشهد إلى إشعار آخر.
