سيدي اعلي سالم هبد
يعيش المشهد الحزبي المغربي اليوم مفارقة حادة تضع مستقبل العمل السياسي على المحك. ففي الوقت الذي ترسم فيه الرؤية الملكية مسارات طموحة، عنوانها العريض “الجدية” و”المأسسة”، لا تزال الممارسة الحزبية الكلاسيكية تراوح مكانها في دهاليز “العقلية الانتخابية” الضيقة. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي فجوة بنيوية تهدد بدور “الوساطة السياسية” الذي يفترض أن تلعبه الأحزاب في بناء الدولة الحديثة.
أولاً: الرؤية الملكية.. الحزب كمختبر وطني
لقد أسست التوجيهات الملكية السامية، في مختلف الخطب والمحطات الاستراتيجية، لمنظور يتجاوز الحزب كـ “دكان انتخابي” ليجعله “مختبر للأفكار” وشريكاً استراتيجياً في النموذج التنموي. تتسم هذه الرؤية بوضوح تام في ثلاثة محاور:
الجدية كفلسفة عمل: لم تعد الجدية مجرد شعار أخلاقي، بل أضحت “شرطاً للوجود السياسي”. إنها تعني الانخراط في القضايا الكبرى للأمة، وتحويلها إلى برامج عمل ملموسة، بعيداً عن التذبذب السياسي.
الأحزاب كمؤسسات لا كواجهات: الرؤية الملكية تطالب بأحزاب “مؤسساتية” قوية، قادرة على إنتاج نخب جديدة، وتدبير الأزمات، والتفاعل مع التحولات الجيو-استراتيجية، وهي صفات لا تتوفر إلا في التنظيمات التي تحترم ديمقراطيتها الداخلية.
تجديد النخب: المطلب الملكي الدائم بضخ دماء جديدة يهدف إلى حماية النظام السياسي من “الشيخوخة التنظيمية”، وفتح الباب للكفاءات الوطنية التي تمتلك الرؤية والقدرة على التدبير.
ثانياً: الرؤية الضيقة.. حينما يختزل “المسؤول” الحزب في “المقعد”
في المقابل، يغرق أغلب مسؤولي الأحزاب في ما يمكن تسميته بـ “البراغماتية القاتلة”. إن رؤيتهم للعمل السياسي محصورة في “تكتيكات المدى القصير”، حيث يتحول الحزب إلى “آلة انتخابية” لا تستيقظ إلا قبيل الاستحقاقات، متجاهلة أدوارها الأساسية في التأطير والتكوين.
تتجلى ضيق هذه الرؤية في ثلاثة مظاهر:
عقيدة “المقعد قبل المشروع”: تحولت بوصلة الأحزاب من “البرنامج المجتمعي” إلى “حسابات المقاعد”. هذا التوجه يدفع القيادات إلى استقطاب “الأعيان” لضمان الأصوات، حتى وإن كان ذلك على حساب المبادئ أو النزاهة الفكرية، وهو ما يفرغ الانتماء الحزبي من قيمته.
المركزية المفرطة: التخوف من بروز قيادات شابة أو كفاءات فكرية يجعل القيادات الحزبية التقليدية تغلق أبوابها، محولة الأحزاب إلى “نادي خاص” يكرس الوجوه نفسها، مما يؤدي إلى نفور النخب الشابة والمبدعة من العمل السياسي.
غياب التكوين السياسي: انحسر دور الحزب في “توزيع التزكيات” بدلاً من “صناعة القادة”. هذا الفراغ التكويني جعل الفاعل السياسي يبدو دائماً أقل كفاءة من حجم التحديات التي يواجهها المغرب، سواء على المستوى الوطني أو المحلي.
ثالثاً: المواجهة الحتمية.. هل من سبيل للجسور؟
إن الاستمرار في هذا التباين بين طموح الدولة (المتمثل في الرؤية الملكية) ومحدودية الفاعل الحزبي، يؤدي حتماً إلى “أزمة ثقة” عميقة. عندما يجد المواطن أن أحزابه لا تقدم سوى وعود انتخابية موسمية، بينما الدولة تطالبه بوعي وحضور وتنمية، فإنه يبحث عن بدائل خارج الأطر الرسمية.
إن التاريخ السياسي لا يرحم الكيانات التي تفقد دورها الوظيفي. التحديات الكبرى التي تنتظر المغرب (استحقاقات 2030، تحديات التنمية المحلية، والأدوار الإقليمية) تتطلب أحزاباً قادرة على ممارسة “السياسة” بمعناها النبيل، أي البحث عن الحلول، وليس فقط عن السلطة.
إن مستقبل الأحزاب المغربية مرهون بمدى قدرتها على إجراء “قطيعة معرفية وتنظيمية” مع ممارسات الماضي. الرؤية الملكية ليست مجرد نصائح، بل هي سقف مرتفع للعمل السياسي لا يمكن تجاوزه إلا بأحزاب قوية، ناضجة، ومؤسساتية. أما البقاء في “المنطقة الرمادية” بين الرؤية الطموحة والممارسة الضيقة، فهو طريق يؤدي، في أحسن الأحوال، إلى الهامشية السياسية.
المرحلة اليوم تتطلب “شجاعة سياسية” من القيادات الحزبية للترفع عن الصغائر، وتحويل أحزابهم إلى ورشات وطنية مفتوحة، فالتاريخ لا يكتبه من يجمع المقاعد، بل من يصنع الأثر.

