حنان المعروفي: وطنٌ يتسع للجميع أم جلبابٌ يتسع للجميع….حين تختل البوصلة السياسية..

في الفكر السياسي الحديث، لا تُعد اللغة مجرد أداة للتواصل، بل تُعد أحد أهم مكونات الفعل السياسي ومصدراً لإنتاج الشرعية والرمزية.. فالفاعل السياسي لا يتحدث بصفته فرداً عادياً، وإنما باعتباره حاملاً لسلطة رمزية، تصوغ الإدراك الجماعي للدولة وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم..ولهذا اعتبر بيير بورديو أن اللغة السياسية تمثل شكلاً من أشكال “العنف الرمزي” حين تعيد تشكيل الواقع وتفرض أنماطاً معينة من الإدراك.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى العبارة المنسوبة إلى رئيس مجلس النواب ياسين عكاشة: “جلباب عزيز أخنوش يتسع للجميع”، باعتبارها مجرد استعارة لغوية، وإنما بوصفها تعبيراً رمزياً يستحق القراءة والتحليل.. فالسياسة الديمقراطية لا تقوم على مركزية الأشخاص، بل على مركزية الدولة والمؤسسات.. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه العبارة ليس سؤالاً لغوياً، وإنما سؤال يتعلق بفلسفة الحكم ذاتها: من الذي ينبغي أن يتسع للجميع؟ الوطن، أم الحزب، أم الزعيم؟
لقد قامت الدولة الحديثة على فكرة أن الوطن هو الإطار الجامع، وأن الدستور هو المرجعية العليا، وأن المؤسسات هي الضامن لاستمرار الدولة واستقرارها. أما الأحزاب فهي أدوات للتنافس الديمقراطي، وأما الزعماء، مهما بلغت مكانتهم، فهم فاعلون سياسيون يخضعون للتداول والمحاسبة. ولذلك، فإن أي خطاب يجعل الشخص محوراً للاحتواء السياسي قد يُفهم، في نظر منتقديه، باعتباره انتقالاً من منطق المؤسسة إلى منطق الشخصنة، وهي ظاهرة ترى الأدبيات السياسية أنها قد تُضعف ثقافة المواطنة لصالح الولاءات الشخصية..
غير أن الخطاب لا يُقاس ببلاغته، وإنما بمدى اتساقه مع الممارسة.. فمن حق الرأي العام أن يقارن بين الشعارات والحصيلة، وأن يسائل الخطاب على ضوء النتائج التي أفرزتها السياسات العمومية..فخلال الولاية الحكومية الحالية، واجه المغرب سلسلة من الأزمات الاجتماعية التي كشفت حجم التحديات المرتبطة بإدارة الحوار الاجتماعي.. عرف قطاع التعليم إضرابات طويلة أثرت في الزمن المدرسي، وضيعت متعلمين في حقهم واستنزفت جيوب معلميهم باقتطاعات أريد لها أن تكون رادعة،كما شهدت هيئات مهنية، منها المحامون والعدول، فترات من الاحتجاج والإضراب انعكست على مصالح المواطنين وتعطلت بسببها خدمات قانونية وتوثيقية تمس الحياة اليومية والاستثمار والمعاملات المدنية.. وتعكس هذه الوقائع أهمية بناء قنوات حوار مؤسساتية قادرة على استباق الأزمات بدل الاكتفاء بتدبيرها بعد تفاقمها..
ولم يقتصر الاحتقان على الفئات المهنية، بل امتد إلى فئات من الشباب..من بينها مجموعات عُرفت إعلامياً بـ”جيل Z” والتي أثار التعامل معها نقاشاً حقوقياً وسياسياً، إذ انتقدت جهات حقوقية وسياسية ما اعتبرته غلبة للمقاربة الأمنية، في حين أكدت السلطات أن تدخلاتها جاءت في إطار حفظ النظام العام وتطبيق القانون. ويعكس هذا الجدل أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حفظ الأمن، بل في بناء الثقة بين المؤسسات والأجيال الجديدة، وتطوير سياسات عمومية قادرة على استيعاب تطلعات الشباب وإشراكهم في صناعة المستقبل..
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ظل موضوع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار أحد أبرز الملفات التي شغلت الرأي العام، مع استمرار النقاش حول فعالية السياسات المتخذة لحماية المستهلك والحد من المضاربة..كما استمر الجدل العمومي حول العلاقة بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية، وأثر ذلك في النقاش بشأن الثقة في القرار العمومي، وهو نقاش تعرفه مختلف الديمقراطيات عندما يثار موضوع تضارب المصالح أو الحاجة إلى تعزيز الشفافية.
ولم يبق هذا الجدل في حدود الإعلام أو الفضاء السياسي، بل انتقل إلى المؤسسة التشريعية، حيث طالبت مكونات من المعارضة بتفعيل آليات الرقابة البرلمانية، بما فيها المطالبة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن بعض الملفات التي أثارت نقاشاً عاماً.. وتبقى هذه الآليات جزءاً من البناء الدستوري للدولة، إذ تعكس مبدأ خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة، بصرف النظر عن مآلات تلك المبادرات..والاي قوبلت بالرفض..
ومن القضايا التي أثارت بدورها نقاشاً سياسياً وإعلامياً مسألة ترتيب الأولويات في اتخاذ بعض القرارات والإعلان عنها.. فقد رأى معارضون ومعلقون أن توقيت الإعلان عن بعض القرارات الحكومية أثار تساؤلات حول مدى انسجامه مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تتصدر النقاش العمومي، بينما أكدت الحكومة أن قراراتها تندرج ضمن ممارستها لاختصاصاتها الدستورية..وفي جميع الأحوال، فإن معيار الحكامة لا يرتبط فقط بسلامة القرار من الناحية القانونية، بل كذلك بقدرته على الاستجابة لأولويات المجتمع، وحسن توقيته، ووضوح الرسائل السياسية التي يحملها.
إن التحديات التي تواجه المغرب اليوم، سواء على مستوى ترسيخ الدولة الاجتماعية، أو تعزيز النمو الاقتصادي، أو تقوية الثقة في المؤسسات، أو مواصلة الدفاع عن المصالح العليا للوطن، تقتضي خطاباً سياسياً يضع الوطن فوق الأشخاص، والمؤسسات فوق الزعامات، والمصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة. فالأوطان لا تُدار بالرموز الشخصية، وإنما بمنطق الدولة، ولا تُبنى على الولاءات، وإنما على المواطنة وسيادة القانون..
إن الفرق بين وطنٍ يتسع للجميع وجلبابٍ يُقال إنه يتسع للجميع ليس فرقاً في العبارة، بل هو فرق في الرؤية السياسية.. فالوطن هو الفضاء الذي يحتضن الجميع دون تمييز، وهو الكيان الذي تتساوى داخله الحقوق والواجبات، بينما يبقى الحزب إطاراً للتنافس المشروع، ويظل الزعيم، مهما كانت مكانته، جزءاً من المشهد السياسي لا بديلاً عن الدولة..
وفي نهاية المطاف، فإن الأمم التي تنجح في مواجهة التحولات الكبرى ليست تلك التي تجعل الأشخاص محور السياسة، وإنما تلك التي تجعل الوطن مرجعيتها العليا. وعندما يصبح الانتماء إلى الدولة أقوى من الانتماء إلى الأشخاص، تصبح المؤسسات أكثر صلابة، ويغدو الاختلاف السياسي مصدر إثراء للديمقراطية لا سبباً للانقسام.. ولذلك، فإن البوصلة التي ينبغي أن توجه الفعل السياسي ليست جلباب أي زعيم، وإنما الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه، لأنه وحده الباقي، ولأن الدول القوية تُقاس بمؤسساتها وعدالتها، لا بأسماء من يتعاقبون على تدبيرها

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.