لا خوف على حزب العدالة والتنمية إلا من نفسه!

حسن حمورو


لم يكن حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه او حتى منذ ولادته الثانية، حزبا صُنع في دهاليز السلطة، ولا مشروعا رعته مراكز النفوذ، بل كان تعبيرا سياسيا عن تيار مجتمعي واسع، اختار أن يشتغل من داخل المؤسسات، وأن يخوض معركة الإصلاح بأدوات السياسة والتأطير والتواصل، ولهذا فإن سر قوته لم يكن يوما في ما يملكه من إمكانيات مادية أو شبكات نفوذ، وإنما في ما يمثله من معنى لدى فئات واسعة من المواطنين.

لقد خرج الحزب من المجتمع، ونما داخل المجتمع، وتدرج في الحياة السياسية بجهده الذاتي، معتمدا على قوة الفكرة ووضوح الخطاب وصدق التواصل، ولم يكن رصيده الحقيقي سوى مرجعيته الإصلاحية، وقدرته على إقناع الناس بأن السياسة يمكن أن تكون مجالا لخدمة الصالح العام، لا مجرد وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

ولهذا السبب بالذات، ظل الحزب ينتصر على خصومه بما ليس لديهم، لا بما لديه، كان ينتصر بصورة الحزب المناضل، القريب من المواطنين، الواضح في مواقفه، المتماسك في مرجعيته، والمنضبط لمؤسساته، وكان ينتصر بقدرته على التعبير عن نبض المجتمع أكثر مما ينتصر بامتلاكه أدوات القوة التقليدية التي تتنافس عليها الأحزاب.

ومن هنا يمكن القول إن الخطر الحقيقي الذي يواجه حزب العدالة والتنمية ليس خصومه السياسيين، ولا الحملات التي تستهدفه، ولا محاولات التضييق عليه، وإنما يكمن الخطر الحقيقي في أن يتحول عن هويته السياسية الأصلية، وأن ينزاح عن صورته التي صنعت مكانته في الوعي الجماعي للمغاربة.

صحيح أن الحزب يحتاج إلى تجديد خطابه، وإلى تجديد نُخبه، وإلى تطوير آليات اشتغاله، لكن التجديد المطلوب هو تجديد في إطار الاستمرارية، لا تجديد يقوم على القطيعة مع سيرته الأولى.

فالأحزاب الحية تتطور، لكنها لا تتنكر لعقيدتها، أما حين يصبح التجديد عنوانا للتخلي عن الهوية السياسية والنضالية التي راكمت الثقة والشرعية، فإنه يتحول إلى مسار لفقدان الذات لا لاستعادة القوة.

إن التحدي المطروح اليوم أمام حزب العدالة والتنمية يشبه ما يمكن تسميته بمقاومة “التغير الوراثي”، لأنه وكما في علم البيولوجيا، ليست كل طفرة علامة على التطور، وقد تكون بعض الطفرات المعكوسة سببا في إضعاف المناعة الداخلية وفقدان الخصائص التي منحت الحزب تفرده وتميزه.

كما أن الحزب مطالب أكثر من أي وقت مضى بمواجهة مظاهر فساد الرأي التي قد تتسلل إلى داخله، حين تتحول القناعات إلى مصالح، والنقاش إلى اصطفافات، والاجتهاد السياسي إلى مجرد تبرير للواقع، وهو مطالب أيضا بمقاومة عقلية الطائفة التي ترى في الاختلاف تهديدا، وفي النقد خصومة، وفي التنوع التنظيمي خطرا يجب التخلص منه.

إن قوة العدالة والتنمية كانت دائما في تعدد أصواته ووحدة مؤسساته، لا في “نمذجة” الآراء وتنميطها وإقصاء المختلفين، وكانت في احترام المشروعية والديمقراطية الداخلية، لا في الاكتفاء بتمثلهما شكلا وإفراغهما من المضمون.

ولذلك فإن مستقبل الحزب لن تحدده قوة خصومه بقدر ما ستحدده قدرته على الوفاء لنفسه، فإذا حافظ على هويته الجماهيرية المستقلة، وعلى مرجعيته الإصلاحية، وعلى صدقه مع مناضليه ومع المواطنين، وعلى ديمقراطيته الداخلية الحقيقية، فسيبقى فاعلا أساسيا في المشهد السياسي مهما كانت نتيجته في الانتخابات، أما إذا فقد هذه العناصر، فلن يكون بحاجة إلى من يهزمه، لأن الهزيمة ستأتي من داخله.
فلا خوف على حزب العدالة والتنمية إلا من نفسه.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.