شوقي يكتب: الأبناك المغربية بين الأرباح الريعية وثقافة المجازفة

سمير شوقي


القطاع البنكي المغربي مر من فترات متعددة، ولكن ظلت عقيدته حبيسة الربح مع أقل المخاطر وشبه غياب عن ثقافة الرعاية والاحتضان، وهذا ما حدّ من دوره الاقتصادي والاجتماعي.
إذا أردنا أن نحدد زمن الأبناك في المغرب فيمكن تحديدها في حوالي 120 سنة، منذ بداية القرن العشرين قبيل الحماية عندما بدأت مؤسسات أجنبية تمهد لوضع اليد على المغرب اقتصادياً، قبل أن تُعَسْكِرَ منهجها كلياً. في هذا القرن من الزمان يمكن أن نقسم مسار الأبناك المغربية على ثلاث فترات:
ـ أولاً، الفترة التي واكبت الحماية الفرنسية واستمرت ما بعد الاستقلال حتى بداية سبعينيات القرن الماضي مع موجة المغربة التي همت حتى بعض البنوك الفرنسية (وليس كلها). وخلالها تم وضع اللبنة الأولى لقطاع بنكي مؤطر.
ـ الفترة الثانية، وكانت فترة بناء نظام بنكي عصري يعتمد على المعايير الدولية ويستجيب لتوصيات المؤسسات العالمية المتخصصة، ولاسيما اتفاقات “بال” (Basle). وامتدت هذه الفترة حتى العام 1999.
ـ الفترة الثالثة، والتي واكبت انطلاق حكم الملك محمد السادس واستفادت من لمسته الإفريقية وتوجيه أولويات المملكة اتجاه قارتنا. هذه الدبلوماسية الاقتصادية أعطت نفساً جديداً لكبريات البنوك المغربية وجعلتها تستفيد من الدعم السياسي المغربي لتتوسع في أفريقيا وتصبح رقماً صعباً في حوالي ثلاثين بلداً. هذا المتنفس منحها هوامش ربح كبيرة وكبيرة جداً.
النظام البنكي المغربي استفاد إذن من هذا الدعم السياسي، واستفاد كذلك وبشكل كبير من انفجار معاملات البورصة وولوج المؤسسات البنكية لهذا السوق المالي لرفع ملايير الدراهم انطلاقاً من سنة 2000. وهكذا حسنت الأبناك مؤشراتها وأرباحها، لكن في المقابل عرفت تركيزاً كبيراً بين ثلاث مؤسسات تستحوذ على 77% من حصة السوق، مما يقلص هوامش المنافسة ويحيل القطاع لبعض الممارسات الاحتكارية.
ومع ذلك، يفضل بعض خبراء القطاع المالي اعتبار هذا “النادي المغربي” استفاد من كل امتيازات الاستغلال التي تتيحها له رخصة الممارسة، مع كل فضائل ذلك، بينما بقي القطاع متوجساً ولا يغامر بالقدر المطلوب في اقتصاد صاعد.

لماذا لا تجازف الأبناك؟
في ظل مناخ ريعي تقل فيه المجازفة بشكل كبير، يحقق هذا “النادي المغلق” أرقام معاملات قياسية وأرباحاً كبيرة جداً. فبرسم العام 2025 حقق القطاع ناتجاً بنكياً خاماً (PNB) بلغ 107 مليارات درهم، فيما وصلت الأرباح إلى أزيد من 22 مليار درهم، بمعنى أن 20% من الناتج البنكي الخام تستحوذ ثلاث أبناك على 75% من الأرباح.
فمع أرباح كبيرة كما جاء أعلاه، تعتمد الأبناك على توظيف ودائع الزبناء في توزيع القروض وجني الملايير دون أي مجازفة تقريباً. ويتضح ذلك في دراسة الملفات لدى الخواص أو المقاولات، إذ تشيع مقولة إن “الأبناك لا تُقْرِضُ سوى الأغنياء”. وهي في الواقع مقولة تجد صداها على أرض الواقع.
فالقطاعات المحببة لدى الأبناك هي العقار، أي الأقل مجازفة باعتبار المشروع هو ضامن القرض، ثم قروض الاستهلاك وتسهيلات الصندوق. ويشكل هذا الثالوث 67% من مجمل القروض الموزعة، مع حزمة ضمانات عينية مبالغ فيها (رهن عقارات وممتلكات).
وتبقى الصناعة من أقل القطاعات استحواذاً على القروض البنكية نظراً لدورتها البطيئة، إذ لا يبرز العائد على الاستثمار إلا بعد سنوات، بينما يبقى هذا القطاع الأكثر حاجة للدعم بالنظر لمساهمته في السيادة الصناعية الوطنية وحجم التشغيل.
فمن مجموع قروض بلغ 1258 مليار درهم سنة 2025، لم تتجاوز تمويلات المقاولات الصناعية سوى 7% تدخل في خانة التجهيزات والاستثمار التي تبلغ إجمالاً 18% (بين مقاولات صناعية وخدماتية وفلاحية).
وتبقى التمويلات البنكية بعيدة المنال بالنسبة لفئات متعددة من المجتمع، وبصفة خاصة بالنسبة للشباب، بحيث لا يتم إقراضها إلا بضمانات من الدولة ضمن برامج محددة.

محدودية المسؤولية الاجتماعية
إن المسؤولية الاجتماعية لدى معظم الأبناك المغربية تقتصر على الرعاية في بعض مجالات الثقافة والرياضة وبعض المنح الدراسية، لكنها تبقى معزولة عن حاجيات الطبقات الهشة ومتطلبات المجتمع بصفة عامة.
فباستثناء بنك أفريقيا لصاحبه عثمان بنجلون الذي يمول مؤسسة ليلى أمزيان (حرم عثمان بنجلون)، التي أخذت على عاتقها بناء وتجهيز مدارس في العالم القروي ضمن برنامج أطلقت عليه “مدرستكم”، واستطاعت فك العزلة المدرسية عن مئات المداشر في مختلف ربوع المملكة وذلك منذ سنين عديدة.
عدا ذلك، تقتصر برامج الرعاية لدى العديد من الأبناك على دعم المعارض التشكيلية والسهرات الفنية والتظاهرات الرياضية والندوات الاقتصادية وتوزيع بعض المنح الدراسية.
هذه هي الاتجاهات الكبرى للرعاية الاجتماعية لقطاع يكسب ذهباً، لكنه يبقى بعيداً عن هموم المجتمع وحاجياته الملحة في التعليم والصحة والتكوين ورعاية الشباب وحماية المرأة والطفولة، خاصة في العالم القروي.
وهكذا يمكنك أن تلج لميناء الصيد البحري ببلدة الجبهة، إقليم الحسيمة، لتجد لوحة كبيرة مكتوباً عليها: “تأهيل هذا الميناء من تمويل الشعب الأمريكي”، وقد تجد في قمم الأطلس المتوسط عبارة: “برنامج طاقات متجددة بتمويل من مؤسسة الطاقة الألمانية”، والأمثلة متعددة…
لكن لن تجد شبكة حافلات نقل تحمل عبارة: “هدية من البنك الفلاني لتلاميذ وتلميذات الجماعة القروية الفلانية”، وقس على ذلك أمثلة عديدة..
وتجد الأبناك نفسها مضطرة لوضع يدها في “جيبها” وأداء مبالغ تضامنية كبيرة في حالات الكوارث الكبرى (كوفيد، زلزال الحوز…)، لأن رموز الوطن أخذت المبادرة في هذا الاتجاه، إضافة إلى بنك المغرب، وهو مؤسسة الوصاية!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.