عبد الحفيظ اليونسي
منذ استقلال المغرب والدولة تلجأ للسياسة بكل تعبيراتها المؤسساتية من حيث الممارسة وفتح الفضاء العام للتداول والنقاش “الحر”، فقط عند الأزمات وعند اللحظات المفصلية لاستمرار الحكم من أمثلة ذلك حكومة التناوب التوافقي سنة قبل وفاة الملك الحسن الثاني رحمه الله، حكومة الأستاذ ابن كيران إبان الربيع الديمقراطي. لكن سرعان ما يتم الالتفاف على هذه المبادرات حكومة جطو 2002 وبلوكاج 2016.
ثمة منطق يحكم الذين يدبرون هذا الالتفاف (تجمع المصالح/ أجندات ومصالح الدول الأجنبية بالمغرب إما عبر ممثليهم أو عملائهم / الدائرة الضيقة لصنع القرار قبل اتخاذه…) منطق يجمع بين الخوف من صناديق الاقتراع وعدم الثقة في المجتمع وأنه لم يبلغ بعد النضج الكافي، لذا يجب أن نفكر ونتخذ القرار مكانه.
عموما هذا المنطق خلف بعد 70 سنة من الاستقلال ما عليه المغرب اليوم من مؤشرات تنموية في أخف توصيف انها ضعيفة، لكن على مستوى الدولة ثمة نتائج أخطر على الاقل في ثلاث مؤشرات:
1/ السيادة بكل تعبيراتها الجغرافية والاقتصادية والقيمية والثقافية والتنظيمية، حيث المغرب مازال يصارع إلى اليوم لاستكمال وحدته الترابية بالصحراء المغربية وما يرتبط به مفاوضات وتقديم تنازلات وابتزاز لدول عديدة للمغرب في هذا الملف، وهو ما ينسحب على تدبير المغرب لبقية الملفات الأخرى، حيث استقلال القرار الوطني ليس بالصورة الوردية التي يرسمها الكثيرون.
2/ الثقة في المؤسسات وهو ADN استمرار الدولة وقدرتها على تجاوز لحظاتها الصعبة والمفصلية، والثقة ليست فقط كلام رومانسي هو معطى يبنى ولا يعطى، وإنما يبنى بتراكم وصبر، وهي مرتبطة بمدى قدرة الدولة التوزيعية أي القدرة على إيصال الخيرات إلى أبعد نقطة جغرافية حيث تقديم الخدمات يزيد من رابطة الولاء تجاه الدولة ومقدساتها. ضرب عنصر الثقة في الدولة ومؤسساتها عندما تتحول ممارسة السياسة إلى مجرد شر لا بد منه.
3/ عدم ربط صندوق الاقتراع باتخاذ القرار حيث السلطوية تشتغل بأساليبها المعروفة أي السماح بانتخابات دورية، وبأشكال متحكم فيها من حرية التعبير، ومن منافسة اقتصادية مقصورة على عائلات وشخصيات بعينها، نيوليبرالية مغربية ظهرت مع انتخابات 2021 حيث سيطرة المال على جزء من القرار التشريعي والتنظيمي سياسيا واقتصاديا، والنتيجة ما نراه حيث بداية تحول ولاء الادارة للمال وليس لمصالح الدولة العليا.
ما العمل؟
المطلوب كثير وكثير دولة ومجتمع، لكن واجب الوقت هو القطع مع حالة التردد وعدم الثقة في اختيارات المجتمع هو السبيل الأوحد والوحيد لكي يتجاوز المغرب ما يستقبله من تهديدات ورهانات- هذه أمنية أو ما ينبغي أن يكون- لكن ما هو كائن هو مقاومة عودة السلطوية بالمغرب (سلطوية بصدد الانتقال من سلطوية تنافسية إلى سلطوية إخضاعية)؛ ومواصلة البناء على ما تراكم من ايجابيات ما بعد دستور 2011.
