وفاة عبد الرحيم الفقير في إيطاليا.. نتائج أولية للتشريح تعيد طرح فرضية الاختناق وتوسع مطالب كشف الحقيقة
أعادت النتائج الأولية لتشريح جثمان المواطن المغربي عبد الرحيم الفقير، الذي توفي خلال تدخل أمني في مدينة بولونيا الإيطالية، القضية إلى واجهة النقاش الإعلامي والحقوقي، بعدما تحدثت وسائل إعلام إيطالية عن وجود دم وآثار ضغط في الرئتين، في مقابل اعتراض دفاع الشرطيين على اعتبار هذه المؤشرات دليلا حاسما على أن الوفاة نتجت عن عملية التثبيت.
وتواصل السلطات القضائية الإيطالية تحقيقاتها لتحديد السبب الدقيق للوفاة، وتقييم مختلف مراحل التدخل الأمني والإسعافي، في وقت تتزايد فيه المطالب المغربية والإيطالية بإجراء تحقيق شفاف وشامل، يحدد المسؤوليات القانونية والمهنية من دون استباق النتائج النهائية للخبرة الطبية والقضاء.
تحرك رسمي مغربي ومطالبة بتحقيق معمق
منذ الإعلان عن وفاة عبد الرحيم الفقير، عبرت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عن متابعتها القضية «ببالغ الانشغال»، وكلفت سفارة المملكة المغربية في روما والقنصلية العامة في بولونيا بتتبع التحقيقات والتواصل مع أسرة الراحل والسلطات الإيطالية المختصة.
وأكدت السفارة المغربية في إيطاليا متابعتها للملف، وقدمت تعازيها وتضامنها مع أسرة الفقيد، مطالبة بكشف ظروف الوفاة واحترام مقتضيات الحقيقة والعدالة.
كما تولت القنصلية العامة للمغرب في بولونيا التواصل المباشر مع الأسرة، ومواكبة الإجراءات الإدارية والقضائية، والتنسيق في ما يتعلق بإعادة الجثمان إلى المغرب.
وفي السياق نفسه، أفادت المعطيات المتداولة بأن جهة تمثل محامين مغاربة تقدمت بشكاية أمام السلطات القضائية في بولونيا، من أجل التحقيق في ملابسات الوفاة وفحص مقاطع الفيديو والتسجيلات المرتبطة بالتدخل الأمني.
نتائج أولية للتشريح تشير إلى وجود دم وآثار ضغط في الرئتين
بحسب ما أوردته وسائل إعلام إيطالية، أظهرت النتائج الأولية لتشريح جثمان عبد الرحيم الفقير وجود دم في الرئتين، إلى جانب مؤشرات وصفت بأنها آثار ضغط، وهو ما أعاد طرح فرضية الوفاة نتيجة الاختناق.
واستغرقت عملية التشريح نحو ست ساعات، بعدما كانت السلطات الإيطالية قد أجرت في اليوم السابق فحصا بواسطة التصوير المقطعي المحوسب، CT، أظهر احتمالا أوليا بأن تكون الوفاة مرتبطة بانسداد مجرى التنفس وامتلاء الرئتين بالدم.
ونقلت وسائل إعلام إيطالية أن الفحوصات كشفت أيضا عن تضرر في المجاري التنفسية، يعتقد أنه قد يكون مرتبطا ببقاء صدر الضحية مضغوطا على سطح الأرض خلال عملية التثبيت التي استمرت قرابة خمس دقائق.
وبحسب صحيفة Il Messaggero، فإن الضغط على منطقة الصدر قد يكون تسبب، وفقا للفحوصات الأولية، في خروج الدم من الرئتين أو تجمعه داخلهما، وهو ما يحتمل أن يكون قد ساهم في الوفاة.
غير أن هذه الاستنتاجات لا تزال أولية، ولم تتحول بعد إلى تقرير طبي شرعي نهائي أو حكم قضائي يحدد بصورة قطعية سبب الوفاة والمسؤولية عنها.
محامي الأسرة يرجح الاختناق بسبب عملية التثبيت
قال المحامي فابيو أنسيلمو، الذي يتابع القضية من جانب أسرة الراحل، إن النتائج الأولية تشير إلى وقوع اختناق نتيجة الضغط الذي تعرض له عبد الرحيم فقير خلال تدخل الشرطيين.
وأوضح أن الضغط أدى، حسب قراءته للمعطيات الطبية الأولية، إلى امتلاء الرئتين بالدم وتعطيل عملية التنفس.
وأضاف أن هذه النتائج تنسجم مع صور الفحوصات التي أجريت قبل التشريح، والتي أشارت، بحسب قوله، إلى أن الوفاة قد تكون نتجت عن انسداد مجرى التنفس، بعد بقاء صدر عبد الرحيم فقير مضغوطا على الإسفلت لمدة تقارب خمس دقائق أثناء تثبيته.
ويرى دفاع الأسرة أن هذه المعطيات تعزز ضرورة التحقيق في الطريقة التي جرى بها تثبيت الضحية، ومدة الضغط على منطقة الصدر، ومدى احترام عناصر الأمن للبروتوكولات المعتمدة عند التعامل مع شخص في وضعية اضطراب أو مقاومة.
دفاع الشرطيين ينفي وجود دليل حاسم على الاختناق بالضغط
في المقابل، رفض غابرييلي بوردوني، محامي الشرطيين المعنيين بالتحقيق، اعتبار وجود الدم في الرئتين دليلا قاطعا على أن الوفاة نتجت عن ضغط عناصر الأمن على جسد عبد الرحيم فقير.
وقال بوردوني إن الخبير الذي يمثل دفاع الشرطيين لم يسجل علامات نموذجية تدل، بحسب قوله، على تعرض الضحية لضغط منعها من التنفس.
وأضاف أن الفحوصات لم تكشف، وفقا لقراءة خبير الدفاع، عن آثار عنف واضحة أو كسور في الأضلاع أو العظام يمكن ربطها مباشرة بعملية التثبيت.
كما أوضح أن وجود الدم في الرئتين لا يعني بالضرورة أن الوفاة كانت نتيجة الضغط، مشيرا إلى احتمال أن يكون انضغاط الرئتين أو بعض الآثار المسجلة ناجما عن محاولات الإنعاش التي أجراها المسعفون بعد تدهور حالة الضحية.
ويكشف هذا الاختلاف بين محامي الأسرة ودفاع الشرطيين أن تحديد السبب النهائي للوفاة سيعتمد على التقرير الكامل للتشريح، والتحاليل النسيجية والسمية، وتسجيلات كاميرات الشرطة، وشهادات الحاضرين، إضافة إلى تقييم تدخل المسعفين.
النيابة العامة تفحص تدخل الشرطة والمسعفين
كانت النيابة العامة في بولونيا قد فتحت تحقيقا لتحديد سبب الوفاة والمسؤوليات المحتملة، وطلبت تسجيلات الكاميرات التي كان يحملها عناصر الشرطة، إلى جانب فحص ظروف تدخلهم وتدخل فرق الإسعاف.
ويفترض أن تشمل التحقيقات مدة تثبيت عبد الرحيم فقير على الأرض، ووضعية جسده، وطريقة الضغط المستعملة، والإشارات التي كان يظهرها أثناء التدخل، إضافة إلى توقيت استدعاء المسعفين وطبيعة محاولات الإنعاش.
وحتى صدور التقرير الطبي الشرعي النهائي ونتائج التحقيق القضائي، تظل فرضية الاختناق بسبب الضغط واحدة من الفرضيات المطروحة، لكنها ليست بعد خلاصة قضائية نهائية.
بلدية بولونيا تدعو إلى الحقيقة والعدالة
تفاعلت بلدية بولونيا مع القضية من خلال إصدار عدة بيانات والدعوة إلى تجمع سلمي للمطالبة بالحقيقة والعدالة.
كما شهد مجلس البلدية دقيقة صمت تخليدا لذكرى عبد الرحيم فقير، وناقش عدد من أعضائه ظروف الوفاة والتدخل الأمني الذي سبقها.
وأشارت البلدية إلى أن أفراد أسرة الراحل الذين تحدثوا خلال التجمعات رفضوا أعمال العنف، وأكدوا أنهم لا يقبلون أن ترتكب أي أعمال عنيفة باسمه.
ميلوني تطالب بكشف الحقيقة وتدين أعمال العنف
دعت رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات من دون أحكام مسبقة.
وفي الوقت نفسه، أدانت أعمال العنف التي استهدفت عناصر الأمن خلال الاحتجاجات التي أعقبت وفاة عبد الرحيم فقير، مؤكدة ضرورة ترك التحقيقات تأخذ مسارها القانوني.
ويعكس هذا الموقف محاولة الجمع بين مطلب التحقيق في ظروف الوفاة، والدفاع عن مؤسسات الدولة في مواجهة أعمال العنف، مع عدم تبني رواية نهائية قبل انتهاء التحقيق القضائي.
منظمة العفو الدولية تحذر من مخاطر التثبيت على الأرض
وصفت منظمة العفو الدولية في إيطاليا مشاهد توقيف عبد الرحيم فقير بأنها مروعة، ونبهت إلى أن بعض طرق تثبيت الأشخاص على الأرض قد تكون خطرة، خصوصا عندما يستمر الضغط على الصدر أو الظهر لفترة طويلة.
وأشارت المنظمة إلى حوادث سابقة توفي فيها أشخاص أثناء تدخلات مماثلة، وهو ما يعزز، حسب موقفها، الحاجة إلى مراجعة أساليب التثبيت وضمان احترام معايير حماية الحياة والسلامة الجسدية.
من جهتها، اعتبرت الجمعية الإيطالية للدراسات القانونية حول الهجرة، ASGI، أن القضية لا ينبغي أن تعامل باعتبارها حادثا معزولا، وطالبت بالشفافية والمساءلة، وانتقدت غياب بيانات إيطالية شاملة حول الوفيات التي تقع أثناء عمليات الشرطة.
نقابة الشرطة تدعو إلى انتظار نتائج القضاء
على الجانب المقابل، دافعت النقابة الإيطالية الموحدة لعمال الشرطة، SIULP، عن العناصر الأمنية، وقالت إن التدخل جاء بعد اتصال من سكان أبلغوا عن سلوك وصف بالعنيف أو المضطرب.
وطالبت النقابة بعدم إصدار أحكام مسبقة في حق الشرطيين قبل انتهاء التحقيقات، مؤكدة أن الملابسات الكاملة للحادث يجب أن تحددها الجهات القضائية والخبرات الطبية.
السعيد بورحيم: نطالب بتحقيق شامل وتحديد المسؤوليات.
وفي تصريح حول القضية، عبر السعيد بورحيم، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بالجهة 13، جهة مغاربة العالم، عن أسفه لوفاة عبد الرحيم فقير، مؤكدا أن الخبر خلف حزنا وصدمة في صفوف الجالية المغربية بالخارج.
وقال بورحيم:
«تلقينا، كما تلقت الجالية المغربية بالخارج، ببالغ الأسف خبر وفاة المواطن المغربي المهاجر المقيم بإيطاليا عبد الرحيم الفقير، ونتقدم بخالص التعازي والمواساة إلى أسرته في إيطاليا وفي المغرب».
وأضاف:
«نطالب بأن تأخذ العدالة مجراها، وأن يكون التحقيق شاملا ومسؤولا، بما يسمح بكشف جميع ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات، بعيدا عن أي استباق لنتائج التحقيق القضائي».
وعبر الكاتب الجهوي عن قلقه من تزايد الحوادث التي يكون ضحيتها أفراد من الجاليات المهاجرة في عدد من بلدان الإقامة.
وتابع:
«نعبر عن قلقنا من تنامي مثل هذه الأحداث في عدد من بلدان المهجر، ونحيي عاليا يقظة الجالية المغربية وتكاتفها وتضامنها مع عائلة الفقيد».
كما دعا المؤسسات الرسمية المغربية إلى مواصلة متابعة الملف وإيلائه العناية اللازمة.
وقال:
«ندعو المؤسسات الرسمية المغربية إلى متابعة هذا الملف وإيلائه العناية الضرورية. ونحن، في الكتابة الجهوية، نتابع القضية عن قرب، وسنصدر المواقف المناسبة في التوقيت المناسب. وكل التعازي لعائلة عبد الرحيم الفقير في إيطاليا وفي المغرب».
عبد الله بنصاديق : تواصلنا مع المؤسسات منذ الساعات الأولى للحادث
من جانبه، أكد عبد الله بنصاديق، المسؤول في فرع حزب العدالة والتنمية بإيطاليا، أن الفرع الحزبي بدأ متابعة القضية منذ تلقي خبر الحادث.
وقال:
«منذ وقوع هذه الحادثة، ومنذ تلقينا الخبر، تعاملنا مع الموضوع من خلال التواصل مع مجموعة من المؤسسات، بهدف استجلاء ملابسات ما وقع والوصول إلى الحقيقة».
وأضاف أن مكتب الفرع يضم صوته إلى مختلف المؤسسات الإيطالية التي أدانت الحادث وطالبت بالتحقيق فيه.
وتابع:
«نضم صوتنا إلى أصوات المؤسسات الإيطالية التي أدانت هذا الحادث المأساوي، الذي مسنا جميعا، لأن عبد الرحيم فقير كان واحدا من أبناء الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا وجزءا أصيلا منها».
وأكد أن فرع الحزب في إيطاليا يواصل متابعة الملف والتواصل مع عدد من الجهات الرسمية والمدنية والحقوقية.
وقال:
«نحن، في مكتب فرع حزب العدالة والتنمية بإيطاليا، نتابع هذا الموضوع باهتمام وعن قرب، ونتواصل مع مجموعة من المؤسسات من أجل المساهمة في توضيح الملابسات وضمان الوصول إلى الحقيقة».
روايتان متعارضتان في انتظار التقرير النهائي
تضع النتائج الأولية للتشريح القضية أمام روايتين مختلفتين.
ترى أسرة الراحل ومحاميها أن وجود الدم وآثار الضغط في الرئتين، إلى جانب تضرر المجاري التنفسية، يعزز فرضية الاختناق بسبب الضغط المستمر على الصدر أثناء عملية التثبيت.
في المقابل، يؤكد دفاع الشرطيين أن المعطيات المتاحة لا تثبت وجود ضغط قاتل، وأن بعض المؤشرات الطبية قد تكون مرتبطة بمحاولات الإنعاش، لا بطريقة التدخل الأمني.
وبين الروايتين، يبقى التقرير الكامل للتشريح والتحقيق القضائي المرجع الأساسي لتحديد سبب الوفاة، ومدى وجود علاقة مباشرة بين عملية التثبيت والاختناق، وما إذا كانت هناك مسؤولية جنائية أو مهنية أو إدارية.
قضية تتجاوز الحادث الفردي
تحولت وفاة عبد الرحيم الفقير إلى قضية عامة تتجاوز حدود الواقعة الفردية، إذ أعادت فتح النقاش حول طرق تدخل الشرطة الإيطالية، ومخاطر تثبيت الأشخاص على الأرض، وضرورة استعمال كاميرات الجسد، وآليات مساءلة الأجهزة الأمنية.
كما سلطت القضية الضوء على دور المؤسسات الدبلوماسية والحقوقية والجمعوية في حماية أفراد الجالية المغربية بالخارج، وعلى أهمية ضمان حق الأسر في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في الإجراءات القضائية.
وفي انتظار صدور النتائج النهائية، يظل المطلب المشترك بين أسرة الراحل والجالية المغربية وعدد من المؤسسات المغربية والإيطالية هو كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات أي طرف تثبت مسؤوليته من المساءلة.
