[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

دحمان يكتب: الحصيلة الاجتماعية للحكومة.. قراءة تحليلية من منظور نقابي

عبد الإله دحمان


أوشكت الولاية الحكومية الحالية على نهايتها في سياق اجتماعي يتسم بتزايد الانتظارات الشعبية، وارتفاع منسوب المطالبة بالعدالة الاجتماعية، وتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وضمنهم الطبقة العاملة، ورغم تقديم الحكومة لحصيلتها باعتبارها مرحلة لترسيخ “الدولة الاجتماعية”، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، والرفع من أجور بعض الفئات، فإن تقييم هذه الحصيلة يقتضي تجاوز الخطاب السياسي الترويجي الهادف إلى الاستهلاك واجب الحقيقة، والسعي إلى تحليل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وقياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين.
ومن المنظور النقابي الذي يركز على السياسات الاجتماعية والاوضاع الناجمة عنها، فإن نجاح أي حكومة لا يقاس بالتباهي والافتخار بعدد القوانين والبرامج المعلنة والوعود الانتخابية، بل بقدرتها على أن يتلمس المواطن أثر سياساتها على أرض الواقع من خلال توفير الشغل اللائق، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الحريات النقابية، وترسيخ حوار اجتماعي مؤسساتي منتج، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، فإلى أي مدى الحصيلة الاجتماعية لهذه الحكومة حققت ذلك؟
1- سقوط رهان الدولة الاجتماعية بين الطموح المعلن عنه وحقيقته على أرض الواقع.
رفعت الحكومة شعار بناء الدولة الاجتماعية، وجعلته رهانا حكوميا يغطي المرحلة وخيطا ناظما لسياساتها العمومية، وأطلقت بناء على ذلك أوراشا زعمت أنها استراتيجية، من أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع التغطية الصحية، وهي إصلاحات ذات أهمية كبيرة، رغم أنها ليست ابداعا خالصا لحكومة اخنوش، بل هي اوراش دولة عابرة للزمن الحكومي، لكن كان يمكن أن تحتسب لها هذه المشاريع لو اكتمل تنزيلها بكفاءة.
غير أن هذه الأوراش اصطدمت بإكراهات موضوعية، أهمها ضعف الكفاءة الحكومية وضيق أفقها الاستراتيجي، محدودية تعبئة الموارد المالية، واستمرار تفكيك منظومة الخدمات العمومية تفي أحسن الاحوال رداءة جودتها، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، إضافة إلى التفاوتات المجالية الصارخة في الولوج إلى هذه الخدمات الأساسية التي تعتبر أساس العيش الكريم للمواطن المغربي. وبذلك، ظل الاثر الاجتماعي العام أقل من مستوى التوقعات التي صاحبت الإعلان عن هذه الإصلاحات والترويج لها في مقابل بروز ظاهرة تضارب المصالح وهيمنة الريع الاقتصادي واستغلال النفوذ من أجل نيل الصفقات العمومية وظهور ريع جديد مرتبط بمنظور الدعم.
2- انهيار القدرة الشرائية في مقابل اغتناء بعض الفاعلين الحكوميين.
إن التحدي الأكبر الذي، عرفت السنوات الأخيرة هو موجة غير مسبوقة من ارتفاع في منظومة الأسعار، مست المواد الغذائية المرتبطة بالعيش اليومي للمغاربة وكذا ارتفاع اسعار الطاقة رغم ما عرفته السوق الدولية من تقلبات نحو الانخفاض في كثير من الاحيان، ناهيك عن ارتفاع في تكلفة الخدمات الأساسية، مما جعل بعض المواطنين لا يلجونها. ورغم تراجع معدل التضخم مقارنة بذروته، فإن الأثر التراكمي للزيادات ظل حاضرا بقوة في ميزانيات الأسر المغربية، مما يفسر ضعف مقاربة الحكومة ومحدودية سياساتها واختياراتها الاجتماعية.
وهو ما جعل الكثير من استطلاعات الرأي الرسمية والمؤسسات الدستورية والوطنية تشير إلى أن أغلبية الأسر تعتقد جازمة أن مستوى معيشتها قد تراجع، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية في عموميتها وحجم الأثر والإحساس الاجتماعي على حياة المواطنين.
وبالتالي، فمن المنظور النقابي، فإن الزيادات في أجور القطاع والعام والخاص رغم أهمية الميزانية المرصودة لها، لم تكن كافية لتعويض الخسائر التي لحقت بالدخل الحقيقي للأجراء والمتقاعدين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع كلفة المعيشة وهو ما جعل نزيف القدرة الشرائية مستمرا، خصوصا في ظل محدودية مخرجات الحوار الاجتماعي كما سنرى لاحقا.

3- مؤشر نمو متصاعد لم يترجم الى مناصب شغل تحجم البطالة.
لقد ظل تنامي البطالة بكل أشكالها، الاختلال البنيوي الحقيقي والمستمر، اذ ظل التشغيل الحلقة الأضعف في الحصيلة الاجتماعية للحكومة رغم الوعود المليونية، بل حصل عكس ما صرح به، حيث عرف النسيج الاقتصادي المغربي فقدان عشرات الالاف من مناصب الشغل، أضف له نزيف آخر مرتبط بإغلاق المئات من المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد المغربي وخلق مناصب الشغل، دون الحديث عن المناصب المفقودة في القطاع الفلاحي وغيره.
ورغم البرامج الحكومية المعلنة لدعم الاستثمار والمقاولة، فإن معدل البطالة ظل مرتفعا، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات والنساء، وهو ما يعكس ضعف قدرة نموذج الاقتصاد الوطني الذي اسست له هذه الحكومة على خلق فرص شغل كافية ولائقة. دون إغفال اتساع القطاع غير المهيكل واستمرار هشاشة التشغيل اللذان يطرحان تحديا حقيقيا أمام أي سياسة اجتماعية تستهدف تحقيق الإدماج الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وهو ما انهزمت أمامه حكومة أخنوش بإصرار انعدام الكفاءة.
ويمكن القول من منظور نقابي صرف، إن التشغيل لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المناصب المحدثة أما المفقودة فعوضها عند الله تعالى، وإنما بجودتها، واستقرارها، واحترامها للحقوق الأساسية للأجراء كذلك.

4- محدودية الحوار الاجتماعي وضياع فرص التفاوض الحقيقية.
صحيح أن الولاية الحكومية الحالية شهدت توقيع اتفاقات اجتماعية، قيل أنها تتضمن تحسين دخل المأجورين، رغم إقصاء بعض فئات الوظيفة العمومية منها، والقول بمراجعة بعض التعويضات ومؤسسة الحوار الاجتماعي، وغيرها مما روج له على أنه مكاسب تم احرازها، لكن التجربة كشفت زيف الادعاءات وخصوصا في ظل عدد من الاختلالات نذكر من بينها:

– غياب آليات قانونية ملزمة لتنفيذ الالتزامات، وهو جعل المثير من الموقعين على الاتفاقات يحتجون على الحكومة لعدم تنفيذها، بل الحكومة لم تفقد دورات عدة للحوار الاجتماعي، واستفردت بتمرير القانون التنظيمي للمدرسة الحق في الإضراب وغيرها من القوانين المقبلة للحقوق والحريات.
– محدودية استفادة أجراء القطاع الخاص، بل حتى ما وعدوا به هناك تلكؤ في تنفيذه، ناهيك عن استمرار تسريح العمال والتضييق على العمل النقابي.
– استمرار الخلافات حول التمثيلية النقابية، بحيث تم حصر الحوار القطاعي في أطراف نقابية وإقصاء أخرى دون الاعتماد على أي تشريع أو قانون، ولجوء رئيس الحكومة إلى إقصاء الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب مثلا لأسباب سياسية، وإقصائه كذلك من حقه بالتواجد في بعض المؤسسات الدستورية والوطنية (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مثلا) خصوصا وله تمثيلية في القطاع الخاص تعطيه هذا الحق. بل الغريب هو منح العضوية مثلا في المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لمنظمة لم تتحاوز سقف 409 مندوب وإقصاء untm وهي حاصلة على أكثر من 2600 مندوب .
مما جعل الحوار الاجتماعي يتحول إلى آلية ظرفية لمعالجة الاحتقان عشية فاتح ماي، ومن ثم، فإن الحوار الاجتماعي لم يتحول بعد إلى مؤسسة دائمة لإنتاج السياسات الاجتماعية التوافقية.

5- الاجهاز الناعم على الحريات النقابية.
رغم الضمانات الدستورية، وترديد اخنوش لقناعته بالحوار مع النقابات، إلا واقع الحريات النقابية والعمل النقابي يجسد استهدافا هادئا، إذ ما تزال الحركة النقابية تثير عددا من الإشكالات المرتبطة بممارسة الحق النقابي، وتسوية نزاعات الشغل، وحماية الممثلين النقابيين، والمتابعة القضائية من أجل النقد النقابي، إضافة إلى النقاش الذي أثاره القانون التنظيمي للإضراب. ومن هذا المنطلق، فإن أي إصلاح اجتماعي لن يحقق أهدافه دون توفير بيئة قانونية ومؤسساتية تعزز الثقة بين الدولة والفرقاء الاجتماعيين.

6- استمرار غياب العدالة الاجتماعية وتجذر الفوارق المجالية.
لا أحد ينكر استمرار الفوارق بين العالم الحضري والقروي، وبين الجهات، إذ هذه القضية تمثل أحد أبرز التحديات أمام السياسات العمومية وخلفيتها الاجتماعية. فرغم ارتفاع حجم الاستثمار العمومي باعتباره العامل الحقيقي وراء ارتفاع معدل النمو، فإن انعكاساته على التشغيل والدخل وجودة الخدمات، كما قلنا سالفا، ظلت متفاوتة، وهو ما كان يفرض على الحكومة، إعادة توجيه السياسات العمومية نحو تحقيق تنمية أكثر توازنا وإنصافا.
وعموما، يمكن القول إن الحكومة نجحت في الترويج لإطلاق عدد من الإصلاحات الاجتماعية الكبرى، لكنها فشلت في تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن بشكل مباشر.
كما أن الخطاب الحكومي الذي ركز على المؤشرات الماكرو اقتصادية لم يكن كافيا لإقناع الرأي العام، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالأسعار والبطالة وانهيار القدرة الشرائية وتنامي تضارب المصالح واستفحال ثقافة الريع الاقتصادي.
مما حكم على الحصيلة الاجتماعية بالفشل، وإنها دون مستوى الالتزامات المعلنة، سيما وأن الإصلاحات افتقرت إلى البعد التشاركي الكافي.
وتكشف الحصيلة الاجتماعية للحكومة عن مفارقة أساسية يتقاسمها كل المحللين والمتابعين للشأن العام، وهي انتقال هذه الحكومة أطلقت إصلاحات اجتماعية مهمة، لكنها لم تنجح في تحقيق تحول ملموس في المؤشرات المرتبطة بجودة العيش بالنسبة للمواطنين والعدالة الاجتماعية.
وبالتالي، فإن الحكومة الحالية فشلت في الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الإصلاح الهيكلي، القائم على تعزيز الحوار الاجتماعي، وتحسين الأجور، وحماية الحريات النقابية، وإحداث مناصب شغل لائقة، وتقوية المدرسة والمستشفى العموميين، بما يجعل الدولة الاجتماعية واقعا يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا مجرد عنوان للسياسات العمومية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.