حنان المعروفي
إن المسؤولية الحكومية في الأنظمة الديمقراطية لا تقوم على تدبير الملفات الإدارية فحسب، فهذه مهمة التقنيين بشكل اكبر بل تقوم على القدرة على قيادة الرأي العام في لحظات الأزمات، وتقديم الأجوبة حين تتعاظم الأسئلة، وصناعة الثقة حين تتراجع مؤشرات الأمل. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس تعدد الأزمات، وإنما أن يتحول الصمت إلى منهج في تدبيرها، وأن يصبح الغياب عن المجال العمومي عنواناً لأدائها السياسي..
فمنذ بداية هذه الولاية، يكاد يتكرر المشهد نفسه في كل محطة مفصلية.. يخرج المجتمع بأسئلته، بينما تغيب الحكومة بأجوبتها.. يحتج الشباب، فيغيب الخطاب السياسي. ترتفع الأسعار، فتضعف القدرة على الإقناع.. يدخل التعليم في حالة احتقان، فتتأخر المبادرة السياسية.. واليوم، تتداول وسائل الإعلام مشاهد محاولات جماعية للهجرة غير النظامية نحو سبتة، بحراً وبراً، في مشهد يعكس حجم اليأس الذي يعيشه جزء من الشباب والرجال والنساء وحتى الاطفال، بينما ينتظر الرأي العام موقفاً سياسياً يقرأ الحدث ويتحمل مسؤوليته..
ولعل أكثر المشاهد دلالة خروج شباب جيل Z إلى الشارع، حيث لم يكن المواطن ينتظر حلولاً أمنية أو إدارية فقط، بل كان ينتظر أن تتقدم الحكومة إلى واجهة النقاش العمومي، باعتبارها الجهة التي تتحمل المسؤولية الدستورية عن تدبير الشأن العام. غير أن المفارقة السياسية تمثلت في أن من خاطب الشباب بعد منتصف الليل لم يكن رئيس الحكومة ولا أحد أعضائها، بل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الموجود في المعارضة، الذي دعا المحتجين إلى العودة إلى بيوتهم معتبراً أن رسالتهم قد وصلت.. وبغض النظر عن تقييم مضمون ذلك الخطاب، فإن دلالته السياسية تظل عميقة؛ إذ بدا وكأن المعارضة تؤدي وظيفة تواصلية كان يفترض أن تضطلع بها في الاصل الحكومة.
وخلال مناسبة عيد الأضحى، وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام واقع اقتصادي صعب، جعل اقتناء الأضحية أمراً بالغ المشقة بالنسبة إلى فئات واسعة. وفي خضم هذا النقاش، أثار تصريح حكومي يفيد بإمكانية اقتناء الأضحية بحوالي ألف درهم جدلاً واسعاً، ليس بسبب الرقم في حد ذاته، وإنما بسبب شعور كثير من المواطنين بأن الخطاب الرسمي لا يعكس واقع السوق ولا مستوى الأسعار الذي كانوا يواجهونه يومياً..
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل تجدد مع تصريح الوزير لحسن السعدي الذي قال فيه إن “الخدّام في تارودانت يتقاضى 400 درهم مقابل أربع ساعات من العمل”. وبغض النظر عن السياق الذي ورد فيه التصريح، فقد فتح نقاشاً واسعاً حول مدى انسجام الخطاب الحكومي مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه ملايين المغاربة. فبينما كانت صور شباب يخاطرون بحياتهم في محاولات للهجرة غير النظامية تتصدر النقاش العام، تعمق هذه التصريحات الإحساس بوجود فجوة كبيرة جدا بين الخطاب الرسمي والإدراك اليومي للمواطنين، وهي فجوة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة المسؤول العمومي على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع..
والأكثر إثارة للانتباه والاستغراب أن الحكومة، وهي لا تزال تمارس السلطة التنفيذية بكامل صلاحياتها، بدأت تدخل عملياً في حملة انتخابية مبكرة، مقدمةً وعوداً وبرامج جديدة للمستقبل.. وهنا تبرز مفارقة سياسية يصعب تجاوزها: كيف تطلب حكومة من المواطنين الثقة في برنامج انتخابي جديد، وهي لم تستنفد بعد ولايتها الدستورية، وما تزال تملك السلطة والوسائل والقرار لتنفيذ ما تعد به؟ إن المنطق الديمقراطي يقتضي أن تُعرض الحصيلة قبل الوعود، وأن يُقيَّم المنجز قبل تسويق البرامج. فالانتخابات ليست منافسة بين الأمنيات، بل هي لحظة لمساءلة من حكم: ماذا أنجز؟ وكيف دبر الأزمات؟ وهل كان حاضراً عندما احتاجه المواطنون؟
