نعيمة الفتحاوي
بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية حول أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، يكتسي أهمية خاصة، ليس فقط من حيث تشخيصه للواقع، بل أيضاً من حيث إبرازه لحاجة الساحة السياسية وعموم المواطنين إلى مثل هذه المواقف الواضحة والمسؤولة من الفاعلين السياسيين.
فالمجتمع المغربي يعيش حالة من الاحتقان والقلق، ويحتاج إلى أصوات سياسية تتحمل مسؤوليتها في التوضيح، النقد، واقتراح الحلول، بدل الاكتفاء بالصمت أو التبرير.
تميز البلاغ بتقديم تعزية إنسانية للضحايا وأسرهم، وهو ما يعكس البعد الأخلاقي الذي يجب أن يظل حاضراً في الخطاب السياسي. كما دعا إلى إحداث لجنة وطنية للتحقيق بتعليمات ملكية، وهو مقترح عملي وسريع التفعيل يعيد الثقة للرأي العام ويؤكد أن معالجة الأزمات لا تكون إلا بالشفافية والمحاسبة. هذا النوع من المبادرات يبرهن أن السياسة ليست مجرد تنافس انتخابي، بل هي أيضاً مسؤولية وطنية في مواجهة الأزمات.
شدد البلاغ، إلى جانب ذلك، على خطورة صمت الحكومة وتجاهل الإعلام العمومي، وهو تشخيص دقيق لأزمة التواصل التي تزيد من فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
بلاغ الحزب يرى في المسار الانتخابي جزءاً من معالجة الأزمات، لكنه في الوقت نفسه يعتبر أن هذه الأزمات تكشف عن اختلالات أعمق في النموذج الديمقراطي، وشدد على أن ما وقع تعبير عن إفلاس تربوي وثقافي وسياسي واجتماعي، ورسالة إنذار لكل دوائر القرار لاستدراك الوضع بما يُمكّن من ترصيد المنجزات ومعالجة الاختلالات المرتبطة بمسارنا الديمقراطي والتنموي، أن استمرار التلاعب بإرادة المواطنين والعبث بثابت الاختيار الديمقراطي يؤدي إلى انهيار الثقة بين المواطن والدولة. هنا يظهر بوضوح أن البلاغ يربط أزمة الهجرة والاحتجاجات المتواصلة بأزمة الديمقراطية نفسها، حيث يتم تهميش المؤسسات المنتخبة وشيطنة الفاعل السياسي، وأن التحكم السياسي والافتراس الاقتصادي يقوضان الثقة ويؤديان إلى مظاهر مؤلمة، ودعا إلى وقفة وطنية حازمة ومراجعة شاملة تقطع مع المقاربات الفاشلة في التدبير السياسي والاجتماعي.
إن الساحة السياسية في بلادنا تحتاج إلى مثل هذه المواقف التي تجمع بين النقد المسؤول والدفاع عن الثوابت الوطنية.. بدون هذا النوع من الخطاب، يظل الفراغ السياسي قائماً، ويزداد الاحتقان الاجتماعي في ظل وجود حكومة بكماء صماء. لذلك، فإن بلاغ الحزب يمثل نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الفاعل السياسي في زمن الأزمات: صوتاً صريحاً، مسؤولاً، ومبادراً.
أزمة الثقة بين المواطن والدولة تُعدّ اليوم من أخطر التحديات التي تواجه البلاد الى جانب غياب التواصل الرسمي، وتهميش المؤسسات المنتخبة، وإضعاف الفاعل السياسي.
هذه الأزمة هي تراكم لسنوات من السياسات التي لم تُعطِ الأولوية لكرامة المواطن، ولم تُوفّر له ما يكفي من فرص الشغل والخدمات العمومية، مما دفعه إلى البحث عن بدائل مؤلمة كالهجرة غير النظامية.
إن الحاجة إلى مواقف سياسية مسؤولة، مثل ما عبّر عنه البلاغ المذكور، تكمن في كونها تعيد الاعتبار للسياسة كأداة لبناء الثقة لا لهدمها. عندما يخرج فاعل سياسي ليقول بوضوح إن صمت الحكومة وإقصاء الإعلام العمومي يزيد من فقدان الثقة، فإنه يضع يده على جوهر الأزمة.
المواطن المغربي يحتاج أن يشعر بأن هناك من يمثله ويدافع عن قضاياه، وأن هناك من يجرؤ على تسمية الاختلالات بأسمائها. فالثقة لا تُبنى بالخطابات المطمئنة فقط، بل بالاعتراف بالمشاكل وباقتراح وصفات إصلاحية قابلة للتنفيذ. لذلك، فإن مثل هذه المواقف السياسية تُعتبر ضرورية لإعادة ربط المواطن بالدولة، ولإقناع الشباب بأن الوطن قادر على أن يوفر لهم الكرامة والفرص دون الحاجة إلى ركوب البحر أو الانخراط في احتجاجات متواصلة.
