[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

البردعي تكتب: ذاكرة العبور إلى سبتة.. معبر العلماء وجدار تكسر أحلام أحفادهم

سلوى البردعي


سبتة، أرض العلامة والفقيه القاضي عياض، والشريف الادريسي وأبي العباس السبتي. هاته الأرض التي كانت ذات يوم معبرا للعلماء والفقهاء والفلاسفة، ومرفأ تعبر منه المعرفة، أصبحت جدارا تتكسر عليه أحلام أحفاد هؤلاء. وكأن التاريخ يدير ظهره لأبنائه، أو كأن الزمن نسي الطريق الذي كانت تسلكه القوافل وهي تحمل الكتب، لا الخوف، وتحمل الحكمة، لا اليأس.
فبعد واقعة العبور نحو الموت لا أحد يعود من الهروب كما كان. ولا أحد يعود من الخذلان دون ندوب. ليس كل العائدين يعودون إلى بيوتهم. بعضهم يعود بجسده فقط، ويترك روحه معلقة على سياج، أو على صخرة، أو في قبو رطب كان يحصي فيه أنفاسه خوفا من أن يسمعه العالم. هؤلاء الشباب لم يكونوا يهربون من وطن، بل كانوا يهربون إلى وطن يتخيلونه أكثر رحمة. كانوا يطاردون ظلا اسمه الكرامة، ويعتقدون أن المسافة بين الألم والأمل لا تتجاوز بضع كيلومترات. لكنهم اكتشفوا أن أقسى الحدود ليست تلك التي تقيمها الدول، بل تلك التي تنشأ داخل الإنسان عندما يفقد ثقته في الغد.
كيف سيواجهون الأيام القادمة؟ وكيف سينظرون في وجوه أمهاتهم وقد عادوا مثقلين بصمت لا تستطيع اللغة أن تحمله؟ من سيقنعهم بأن الهزيمة ليست عيبا، وأن الوطن الذي حاولوا مغادرته ما زال قادرا على أن يفتح لهم نافذة نحو الحياة؟
لقد ذاقوا مرارة العطش حتى صار الماء حلما، فهل كانوا يعلمون ان غرناطة سقطت بعد اغلاق منافذ الماء نحوها، ومرارة الجوع حتى صار الخبز ذكرى، ومرارة الخذلان حتى صار الصمت لغة كاملة.
ففي الأقبية التي ضاقت بأجسادهم، كانت أرواحهم تتسع للأسئلة. لم يكونوا يختبئون من أحد، بل كانوا يختبئون من انكسارهم، من تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الحلم قد يصبح فخا، وأن الطريق إلى الخلاص قد يقود إلى مزيد من الضياع.
كان كل واحد منهم يحمل حكاية صغيرة. فتاة أخفت دموعها حتى لا ينهار حلمها قبل الوصول. وشاب خرج من قريته مسرعا لم تسعفه فرحة الحلم توديع اهل القرية، تاركا صندله الصيفي عند عتبة الباب، متحملا لحرارة الأرض خائفا من أن تغلق المدينة أبوابها قبل أن يصل، أو أن يرتفع الجدار مرة أخرى في وجه عمره كله. لم يكن يعرف أنه سيعود من حيث أتى، أن لم يكن في كفن، لكن ليس الشخص نفسه الذي غادر.
ومن قال إن الجراح ترى؟
هناك جراح تسكن الذاكرة. تستيقظ مع صوت البحر، ومع حقيبة سفر، ومع صفارة إنذار، ومع سؤال بريء: “أين كنت؟”. جراح لا تعالجها المسكنات، لأن مكانها ليس الجسد، بل ذلك الركن المظلم من الروح الذي فقد ثقته بالعالم.
إن المأساة الحقيقية ليست في محاولة العبور، بل في الأسباب التي دفعت إليها. ليست في السور، بل في الشعور الذي جعل آلاف الشباب يعتقدون أن الحياة تبدأ في الضفة الأخرى. حين يصل وطن إلى هذه اللحظة، لا يحتاج فقط إلى حماية حدوده، بل إلى حماية أحلام أبنائه. ألف سؤال وسؤال يطرح بحرقة لماذا هرب الكل في ليلة العيد الى المجهول كيف يهرب الشباب والشيوخ والاطفال وحتى من كان يعزف لحن الفرح يفر بجلباه وبلغته وطربوشه في أبهى صورة للعبث ليقول لنا هذا المشهد ان المسافة بين الفرح والموت هي خيط رفيع وإن الحلم بالعيش الكريم لم يعد يقنع بالخطب العصماء والكلام المنمق. فالأوطان لا تخسر أبناءها يوم يرحلون، بل يوم يقتنعون أن لا مكان لهم فيها.
ويبقى السؤال معلقا، كغيمة لا تمطر: من يداوي الجرح الذي لا تراه الكاميرات؟ من يعيد إلى هؤلاء الشباب إيمانهم بأن الشمس يمكن أن تشرق من نافذة بيتهم، لا من خلف أسوار مدينة أخرى؟ وكيف نعيد إلى الوطن صورته الأولى، بيتا لا يفر منه أبناؤه، بل يعودون إليه كلما ضاقت بهم الطرق؟ كيف نقنعهم ان الفرح بالأعياد الوطنية ينبع من عمقنا واحساسنا بالانتماء الى هذا الوطن حتى ولو لم نلبس الجلباب الابيض والطربوش الاحمر ونجلس حول مائدة الوليمة؟
لعل الأوطان، مثل الأمهات، لا تقاس بما تمنحه من أرض فقط، بل بما تزرعه في قلوب أبنائها من يقين. فإذا مات اليقين، صار البحر أقرب من اليابسة، وصار المجهول أكثر رأفة من الواقع، وصارت الهجرة ليست سفرا.. بل صرخة طويلة تبحث عن وطن لم يغادر القلب يوما، وإن غادرته الأقدام.
فطوبى لمن عاد وجراحه على كفه، ورحم الله من عاد في كفن، وترك جرحا غائرا في قلب هذا الوطن.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.