حسن حمورو
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود النقاش العمومي إلى الأسئلة ذاتها، من سيفوز؟ ومن سيقود الحكومة؟ وكيف ستتوزع المقاعد بين الأحزاب؟ غير أن سؤالا أكثر أهمية يظل حاضرا في الخلفية، رغم أنه أقل تداولا، يتعلق بأي نخبة برلمانية نريد للمغرب؟
فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما هي آلية لإنتاج نخبة سياسية تتولى التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية وتمثيل المواطنين، وإذا كانت الديمقراطية يمكن أن تظهر في جودة المؤسسات، ومنها البرلمان، فإن جودة هذه المؤسسات، تبدأ من جودة الرجال والنساء الذين يشكلونها او يكتسبون عضويتها.
هذا ما يجعل دراسة النخبة البرلمانية مدخلا ضروريا لفهم تطور الحياة السياسية المغربية، فالأداء البرلماني لا تحدده النصوص الدستورية وحدها، ولا الأنظمة الداخلية للمجلسين، بل تحدده أيضا الخلفيات العلمية والمهنية والاجتماعية والسياسية للنواب، ومدى استعدادهم لتحمل مسؤولية تمثيل الأمة.
لقد عرفت التجربة البرلمانية المغربية تطورا مؤسساتيا واضحا منذ أول برلمان منتخب سنة 1963، كما توسعت التمثيلية البرلمانية إلى أن استقر عدد أعضاء مجلس النواب عند 395 نائبا منذ دستور 2011، بعد أن كان 144 نائبا فقط في أول ولاية تشريعية، غير أن توسع المؤسسة لا يعني تلقائيا تطور نوعية النخبة التي تؤثثها، وهو ما يدعو إلى التمييز بين الازدياد الكمي والتطور الكيفي.
وتكشف المعطيات التي يعرضها كتاب “النخبة البرلمانية بالمغرب: دراسة سوسيوسياسية”، أن البرلمان المغربي عرف تقدما في بعض مؤشرات التجديد، خاصة فيما يتعلق بحضور المرأة، الذي بلغ أعلى مستوياته بعد انتخابات 2021، كما ارتفع المستوى التعليمي للنواب مقارنة بالولايات السابقة، لكن في المقابل، ما زالت تحديات أخرى مطروحة، سواء تعلق الأمر بمتوسط الأعمار، أو بالتوازن المهني والاجتماعي داخل المؤسسة، أو بقدرة الأحزاب على تجديد نخبها وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.
إن أكبر درس يمكن استخلاصه من هذه المعطيات هو أن إصلاح البرلمان لا يبدأ من داخل البرلمان فقط، بل يبدأ قبل ذلك داخل الأحزاب السياسية، فهذه الأخيرة هي التي تختار المرشحين، وتؤطرهم، وتصنع القيادات، وتحدد في النهاية نوعية النخبة التي ستصل إلى المؤسسة التشريعية، وكل حديث عن تجديد الحياة السياسية يظل ناقصا إذا لم يصاحبه تجديد حقيقي في آليات إنتاج النخب، بعيدا عن منطق الولاءات الشخصية، أو النفوذ المالي والقبلي، أو الاعتبارات الانتخابية الضيقة.
كما أن النقاش حول النخبة البرلمانية ينبغي ألا ينحصر في ثنائية الشباب والشيوخ، أو الرجال والنساء، رغم أهمية هذين البعدين، لأن المعيار الحاسم يظل هو الكفاءة، فالبرلمان يحتاج إلى نائب يمتلك المعرفة الدستورية، والقدرة على التشريع، والخبرة في مراقبة العمل الحكومي، والإنصات لقضايا المواطنين، والقدرة على الترافع عن المصالح الوطنية.
إن أزمة الثقة التي تعيشها المؤسسات التمثيلية في كثير من الديمقراطيات ليست أزمة انتخابات، بل هي في جوهرها أزمة نخب، وحين يشعر المواطن بأن البرلمان يضم كفاءات قادرة على النقاش والإقناع والاقتراح والمحاسبة، فإن ثقته في السياسة تتعزز تلقائيا، أما عندما تتحول “النيابة” إلى مجرد موقع انتخابي، فإن المؤسسة تفقد جزءا من رمزيتها، مهما كانت النصوص القانونية متقدمة.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا النقاش أنه ينقل الاهتمام من سؤال، من يفوز بالمقاعد؟ إلى سؤال أكثر قدرة على التأطير السياسي، وهو من يستحق أن يمثل الأمة؟ ذلك أن البرلمان ليس مجرد فضاء للتنافس الحزبي، بل هو مدرسة للديمقراطية، وواجهة للدولة، ومؤشر على مستوى نضجها السياسي.
إن المغرب، وهو يستعد لمراحل جديدة من الإصلاح السياسي والمؤسساتي، في حاجة إلى جعل جودة النخبة البرلمانية أولوية وطنية، لأن الاستثمار في النخب هو في النهاية استثمار في جودة التشريع، وفي فعالية الرقابة، وفي ثقة المواطنين، ومستقبل الديمقراطية.
