الأمن السيبراني الانتخابي في المغرب (1): قراءة في المادة 51 مكررة من القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب

حميد بحكاك


مقدمة
في إطار التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة 23 شتنبر 2026 وانتخابات الجماعات الترابية والجهوية لسنة 2027، أصدرت السلطات مجموعة من القوانين تضمنت مستجدات وتعديلات للقوانين السابقة، بهدف تجويد العرض الانتخابي وإضفاء مزيد من المصداقية على العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، منها الترشيح النسوي حصريا من خلال اللوائح الجهوية، وفتح المجال للمستقلين الشباب ( لا تزيد أعمارهم عن 35 سنة) الراغبين في الترشيح خارج قوائم الأحزاب السياسية وفق شروط محددة، وجاء القانون التنظيمي المعدل بتشديد العقوبة على مرتكبي المخالفات الانتخابية، وحرمان ذوي السوابق القضائية من الترشيح في الانتخابات.
ومع دخول فاعل جديد مؤثر في العملية الانتخابية وهو الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وأدواته وما يمثله من فرص وتهديدات لمسار العملية الانتخابية والحياة الخاصة للمرشحين والناخبين على السواء، جاء هذا القانون رقم 53.25 بمستجد وهو المادة 51 مكررة التي تهدف حسب منطوقها وسياقها إلى حماية نزاهة الانتخابات والحياة الخاصة للمرشحين والمنتخبين من تأثيرات وتهديدات الاختراق السيبراني في الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي.
تنص المادة51 مكررة:
“يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من بث أو وزع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو نشر أو أذاع أو نقل أو بث أو وزع خبرا زائفا أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية.
يعاقب بنفس العقوبة كل من قام، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية، بصناعة محتوى يشتمل على مضمون كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية “.
وفي قراءة أولية تُعد هذه المادة من أهم المقتضيات القانونية الحديثة لمواكبة التحول الرقمي في المجال الانتخابي، لأنها توسع نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي وأدواته، وليس فقط الوسائل التقليدية، باعتبار أن الحملات الانتخابية قبل وأثناء الانتخابات أصبحت تُدار عبر الفضاء الرقمي أكثر من التجمعات التقليدية وذلك بسبب السرعة الكبيرة لانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة والـتأثير في آلاف وملايين الناخبين خلال ساعات معدودة، حتى ليمكننا الحديث عن حملة انتخابية رقمية موازية تعضد أو تشوش على الحملة الانتخابية التقليدية بأدواتها التقليدية.
وعند التمعن في هذه المادة القانونية الجديدة نجدها تطرقت إلى كل أشكال النشر الرقمي:
النشر (Publication)
الإذاعة والبث (Broadcasting)
النقل (Transmission)
التوزيع (Distribution)
كما ركزت على هذه الأدوات بصيغة واسعة تفيد التخصيص والتعميم معا باستعمال صيغة الجمع:
شبكات التواصل الاجتماعي،
منصات البث المفتوح،
أدوات الذكاء الاصطناع،
التطبيقات المعتمدة على الإنترنت،
الأنظمة المعلوماتية،

وإدراج الذكاء الاصطناعي في غياب نص قانوني ينظمه إلى حد الساعة له دلالة أمنية وقانونية مهمة، لأنه الأكثر خطورة وتأثيرا ويتطلب خبرة تقنية عالية لإثباته، لأنه من خلال الذكاء الاصطناعي يتم إنتاج فيديوهات مزيفة (Deepfake) لمرشح سياسي، أو تقليد صوت شخصية سياسية، أو إنشاء صور مزيفة ومفبركة توحي بوقائع لم تحدث، أو توليد منشورات أو تعليقات آلية للتأثير في الرأي العام أو استخدام روبوتات المحادثة لنشر الدعاية أو التضليل، أو تشغيل جيوش إلكترونية آلية (Bots).

وهنا لا يعاقب القانون على استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، وإنما على استخدامه كوسيلة لارتكاب الجريمة الانتخابية، من خلال التأكيد على القصد الجرمي كما ورد في المادة “بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم” في الفقرة الأولى و “بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخاب ” في الفقرة الثانية.
وتأتي هذه التعديلات في المادة الانتخابية في سياق تتزايد فيه مخاطر الهجمات السيبرانية وتسريب المعطيات وبيانات الأشخاص وتهديد الحياة الخاصة للأفراد وتهديد المؤسسات (تسريبات جبروت عدة مرات التي مست بيانات الأشخاص البنكية والعقارية والصحية، ودور مواقع التواصل الاجتماعي في أحداث “الهروب الجماعي” للشباب إلى سبتة المحتلة مؤخرا …..) وقد يمتد الأمر إلى تهديد المسار الانتخابي برمته أو التأثير فيه كما حدث في عدة تجارب دولية كان للرقمنة التزييفية والاختراق السيبراني والتأثير في ميول الأشخاص السياسية والحزبية دور في اختيار الناخب، كما تستطيع تحديد مسار نتائج الانتخابات لفائدة هذا المرشح أو ذاك مما يطعن في نزاهة الانتخابات، وهو ما دفع المشرع إلى سن هذه المادة لحماية مجموعة من المبادئ نص عليها الدستور:
1. حرية الاختيار
2. نزاهة الاقتراع
3. المساواة بين المرشحين
4. شفافية الحملات الانتخابية
5. الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
(يتبع)

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.