سعاد بولعيش
البناء الديمقراطي لا تصنعه القوانين وحدها، ولا تُختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع أو في تعديل النصوص الدستورية والقانونية. فالقوانين، مهما بلغت جودتها، تظل عاجزة عن إنتاج ديمقراطية حقيقية إذا غابت الإرادة السياسية، وضعفت الأحزاب، وتحولت المؤسسات الوسيطة إلى هياكل شكلية، وفقد المواطن ثقته في السياسة وفي قدرتها على تغيير واقعه.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى إعادة بناء السياسة قبل الاكتفاء بإعادة ترتيب المؤسسات. إعادة البناء هذه تعني أن نستعيد المعنى الحقيقي للعمل السياسي: التنافس على البرامج، خدمة الصالح العام، ربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام المواطن باعتباره شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد صوت انتخابي يظهر عند الاستحقاقات ويختفي بعدها.
لقد أفرغت الممارسة السياسية، في كثير من الأحيان، العمل الحزبي من مضمونه. فحين تضعف قوة الأحزاب، وتتراجع قدرتها على إنتاج النخب، ويصبح النفوذ الاقتصادي والاجتماعي قادراً على التأثير في القرار السياسي، فإن الديمقراطية تفقد جزءاً أساسياً من معناها. وحين تتحول الانتخابات إلى مجرد مناسبة لتبادل الوعود واستعمال المال والنفوذ، فإن أخطر ما نخسره ليس مقعداً انتخابياً، وإنما ثقة المواطن في السياسة نفسها.
لذلك، فإن المدخل الحقيقي للإصلاح يبدأ من أحزاب سياسية، قوية، ديمقراطية من الداخل، وقادرة على إنتاج القيادات والكفاءات. الحزب ليس آلة انتخابية، ولا شبكة مصالح، ولا دكاناً موسمياً؛ بل مدرسة للمواطنة، وفضاء لتكوين النخب، ووسيط بين المجتمع ومؤسسات الدولة، ومنصة لصياغة البدائل والسياسات العمومية.
كما أن إعادة بناء السياسة تقتضي حماية مؤسسات الوساطة: النقابات، الجمعيات، الهيئات المهنية، والمنظمات المدنية. فالمجتمع الذي لا يمتلك قنوات قوية للتعبير عن مطالبه هو مجتمع معرض للاحتقان والانفصال عن المؤسسات. وكلما ضعفت الوساطة الديمقراطية، اتسعت المسافة بين المواطن والدولة، وظهرت أشكال جديدة من الاحتجاج والرفض.
ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية قوية من دون إعلام مهني ومستقل ومسؤول. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، وإنما إحدى ركائز الرقابة المجتمعية. دوره أن يسأل، ويدقق، ويكشف الاختلالات، ويمنح المواطن المعلومة التي تمكنه من تكوين موقف واعٍ. وحين يتحول الإعلام إلى أداة للتلميع أو التشهير أو صناعة الاستقطاب، فإن المجتمع يفقد إحدى أهم أدواته لمراقبة السلطة والفاعلين السياسيين.
أما المجتمع المدني، فلا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد شريك في تنفيذ المشاريع، بل باعتباره قوة اقتراح ومراقبة وتعبئة. المجتمع المدني المستقل هو الذي يرفع قضايا المواطنين، ويدافع عن الحقوق، ويقترح البدائل، ويحاسب المؤسسات، دون أن يتحول إلى امتداد لأي سلطة أو حزب أو جهة مصالح.
لكن جوهر الأزمة يظل في مكان آخر: أزمة الثقة.
الثقة لا تُطلب من المواطن، وإنما تُبنى بالممارسة. لا يمكن مطالبة المواطن بالثقة في المؤسسات إذا كان لا يرى أثراً لصوته، ولا يمكن مطالبته بالمشاركة إذا كان يشعر بأن القرارات تُتخذ بعيداً عنه، ولا يمكن إقناعه بأهمية الانتخابات إذا لم يلمس بعد الانتخابات فرقاً حقيقياً في حياته اليومية.
إن إعادة بناء السياسة تعني الانتقال من سياسة الشعارات إلى سياسة النتائج؛ من منطق الوعود إلى منطق الالتزامات؛ ومن شخصنة العمل السياسي إلى مؤسسات قوية؛ ومن استعمال المواطن كوسيلة للوصول إلى السلطة إلى اعتباره غاية لكل سياسة عمومية.
نحن بحاجة إلى سياسة تعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة، وتقطع الطريق أمام تضارب المصالح واستغلال النفوذ، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجعل الشأن العام مجالاً لخدمة المواطنين لا مجالاً للامتيازات.
إن الديمقراطية التي نريدها ليست ديمقراطية موسمية تبدأ بالحملة الانتخابية وتنتهي بإعلان النتائج، بل ديمقراطية مستمرة، يكون فيها المواطن حاضراً في النقاش العمومي، وفي صناعة القرار، وفي مراقبة المنتخبين، وفي تقييم السياسات العمومية.
إعادة بناء السياسة ليست ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة وطنية.
فإما أن نعيد للسياسة معناها، وللأحزاب استقلاليتها، وللمؤسسات الوسيطة قوتها، وللإعلام مهنيته، وللمجتمع المدني استقلاله، وللمواطن ثقته؛ وإما أن نترك الفراغ السياسي يتسع، وحينها لن يكون الخطر في اختلاف المواطنين مع المؤسسات، بل في فقدانهم الإيمان بجدوى السياسة نفسها.
إن بناء الديمقراطية الحقيقية يبدأ يوم يصبح المواطن مقتنعاً بأن صوته له قيمة، وأن القانون فوق الجميع، وأن المسؤولية تكليف لا امتياز، وأن الدولة قوية بمؤسساتها، والأحزاب قوية باستقلاليتها، والمجتمع قوي بحريته.
تلك هي المعركة الحقيقية: ليست معركة تغيير القوانين فقط، بل معركة إعادة بناء السياسة وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بتوافق تام وكامل مع المؤسسة الملكية التي نعتبرها ضامنة للتوافقات والتوازنات من أي تغول وحشي.
